من التجميع إلى التصنيع الكامل.. لماذا تراهن مصر على المكوّن المحلي؟.. في هذا التقرير الذي تنشره منصة سوق المال نجيب على هذا التساؤل ونوضك الصورة الكاملة لعملية نقل التكنولوجيا وزيادة المكون المحلي في التصنيع.
لم يعد الحديث عن توطين الصناعة في مصر مرتبطا فقط بزيادة عدد المصانع أو جذب استثمارات جديدة، بعدما بدأ التركيز بصورة أكبر على ما تنتجه هذه المصانع داخل السوق المحلية، وحجم المكونات التي يمكن تصنيعها محليًا بدلًا من استيرادها، وما إذا كانت الصناعة المصرية قادرة على التحول من مجرد تجميع المنتجات إلى بناء سلاسل إنتاج متكاملة.
بدأت مصر تتحرك خلال الفترة الأخيرة نحو تعميق التصنيع المحلي، باعتبار أن زيادة المكوّن المحلي لا تعني فقط توفير منتج مصري الصنع، وإنما تقليل الاعتماد على الواردات، وخلق طلب جديد على المصانع المغذية، وفتح مساحة أكبر أمام المنتجات المصرية للمنافسة في الأسواق الخارجية.
وجاءت التحركات الأخيرة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس لتكشف جانبا من هذا التوجه، مع دخول مشروعات جديدة في الصناعات الوسيطة والمغذية إلى مرحلة التشغيل.
الصناعات الوسيطة أصبحت مفتاحا لتغيير شكل الإنتاج
أظهرت المشروعات الجديدة في العين السخنة أن الرهان لم يعد منصبا فقط على إنشاء مصانع للمنتج النهائي، وإنما امتد إلى الصناعات التي توفر مدخلات الإنتاج لمصانع أخرى. ويبرز مصنع F-TEX International لإنتاج خيوط البوليستر كنموذج لهذا الاتجاه، باستثمارات تبلغ 10 ملايين دولار، وعلى مساحة 55 ألف متر مربع، وبطاقة إنتاجية سنوية تصل إلى 65.52 ألف طن.
وفر المصنع الجديد 150 فرصة عمل مباشرة و250 فرصة غير مباشرة، لكنه في الوقت نفسه يضيف منتجا وسيطًا يمكن أن تعتمد عليه صناعات الغزل والنسيج، بما يرفع قدرة سلاسل الإنتاج الموجودة بالفعل على الحصول على مدخلاتها من السوق المحلية بدلًا من الاعتماد الكامل على الخارج. وأكدت الحكومة أن هذه النوعية من المشروعات تمثل جزءًا أساسيًا من استكمال سلاسل القيمة الصناعية.
امتد الاتجاه نفسه إلى مشروعات أخرى داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي شهدت افتتاح 9 مشروعات صناعية جديدة خلال جولة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في 6 سبتمبر، بما يعكس توسع قاعدة الأنشطة الصناعية وعدم اقتصارها على قطاع واحد.
وتضم المشروعات قطاعات متنوعة تشمل مواد البناء، والمنسوجات، والصناعات الكيميائية والمعدنية، والهندسية، والمستلزمات الطبية وغيرها.
95 % مكوّنا محليًا.. الرقم يكشف حجم التحول
كشفت تجربة بعض المصانع العاملة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس عن ارتفاع كبير في نسبة المكوّن المحلي، إذ وصلت في إحدى الحالات إلى نحو 95%، وهو رقم يغيّر طبيعة العلاقة بين المصنع والسوق المحلية.
فكلما ارتفعت نسبة المدخلات المنتجة داخل مصر، اتسعت دائرة المستفيدين من الاستثمار لتشمل الشركات والمصانع المغذية ومقدمي الخدمات والنقل واللوجستيات والعمالة المحلية.
أصبح المكوّن المحلي في هذه الحالة أكثر من مجرد مؤشر صناعي، لأنه يرتبط مباشرة بفاتورة الاستيراد والطلب على العملة الأجنبية، كما يرتبط بقدرة المصنع على المنافسة عندما يتجه إلى التصدير.
فالمصنع الذي يعتمد بصورة أكبر على سلسلة توريد محلية يمكنه الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة داخل الاقتصاد، بدلًا من خروج نسبة كبيرة منها في صورة مدخلات مستوردة.
السيارات تكشف المعركة الأصعب أمام الصناعة المصرية
انتقل ملف تعميق التصنيع المحلي إلى واحدة من أكثر الصناعات حساسية، وهي السيارات، بعدما أعلنت وزارة الصناعة استهداف الانتقال من مرحلة التجميع إلى التصنيع المتكامل، مع التركيز على توطين الأجزاء الرئيسية للسيارة، وعلى رأسها الهيكل المعدني.
وتبحث الحكومة كذلك مضاعفة إنتاج السيارات في مصر خلال السنوات الخمس المقبلة، مع زيادة الاعتماد على الصناعات المغذية.
كشفت هذه الخطوة أن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في إنتاج السيارة داخل مصر، وإنما في تصنيع أكبر عدد ممكن من مكوناتها محليًا، بداية من الأجزاء المعدنية والمكونات الكهربائية وصولا إلى الصناعات المغذية الأكثر تعقيدا.
وكل زيادة في نسبة التصنيع المحلي تعني في النهاية انتقال جزء جديد من القيمة الاقتصادية إلى المصانع المصرية بدلًا من دفع تكلفته بالكامل إلى موردين في الخارج.
ارتبطت صناعة السيارات كذلك بفرصة أكبر للتصدير، خصوصا أن وجود اتفاقيات تجارية وموقع جغرافي قريب من أسواق أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط يمنح مصر فرصة للتحول من سوق مستهلك للسيارات إلى قاعدة إنتاج تستهدف أسواقا متعددة.
ولذلك أصبح جذب الشركات العالمية إلى مصر مرتبطًا بصورة أكبر بقدرتها على التصنيع والتصدير وليس بمجرد بيع منتجاتها داخل السوق المحلية.
المنطقة الاقتصادية تتحول من موقع صناعي إلى سلسلة إنتاج
أثبتت الأرقام الأخيرة أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بدأت تتحرك نحو نموذج أكثر تكاملًا، بعدما أعلن رئيس الوزراء أن المنطقة تضم 212 مصنعًا يعمل بالفعل، إلى جانب مصانع أخرى تحت الإنشاء، مع استهداف الاقتراب من 400 مصنع خلال الفترة المقبلة.
ساعد قرب المصانع من الموانئ وخطوط الملاحة العالمية على منح هذا النموذج ميزة إضافية، لأن المصنع لا يحتاج فقط إلى إنتاج السلعة، وإنما يحتاج أيضا إلى نقل المواد الخام واستقبال المدخلات ثم شحن المنتج النهائي بسرعة وتكلفة تنافسية.
وهنا تلتقي الصناعة مع اللوجستيات، لتصبح المنطقة الاقتصادية جزءا من سلسلة متكاملة تبدأ بالتصنيع وتنتهي عند الأسواق الخارجية.
دعمت هذه الميزة أيضًا توسعات شركات دولية موجودة بالفعل في مصر، ومنها مجموعة حياة مصر التي تمتلك استثمارات بنحو 632 مليون دولار، وتصدر نحو 50% من إنتاجها إلى قرابة 60 دولة، مع توفير نحو 3500 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.
ويعكس هذا النموذج كيف يمكن للمصنع الموجود في مصر أن يتحول من مشروع يستهدف السوق المحلية إلى مركز إنتاج وتصدير يخدم أسواقا خارجية.
ماذا تكسب مصر إذا ارتفع المكوّن المحلي؟
تظهر المكاسب الأولى في تقليل الحاجة إلى استيراد بعض مدخلات الإنتاج، وهو ما يخفف الضغط على العملة الأجنبية، لكن التأثير لا يتوقف عند هذا الحد. فزيادة التصنيع المحلي تعني خلق طلب على شركات أصغر، وتوسيع قاعدة الموردين، وزيادة فرص العمل، ونقل الخبرات والتكنولوجيا، ورفع قدرة الشركات المصرية على دخول سلاسل التوريد العالمية.
تتضاعف الفائدة عندما يرتبط المكوّن المحلي بالتصدير، لأن كل مصنع ينجح في بيع منتج مصنع داخل مصر إلى الخارج يضيف تدفقًا جديدًا من العملة الأجنبية، بدلا من الاقتصار على إحلال المنتج المحلي محل المستورد.
ولهذا أصبح الهدف الاقتصادي الأهم هو بناء صناعة تستطيع القيام بالوظيفتين معًا: تقليل الواردات وزيادة الصادرات.
فرض هذا التحول تحدياته أيضا، وفي مقدمتها قدرة المصانع المحلية على إنتاج مكونات بالمواصفات والأسعار والجودة المطلوبة عالميا، فضلا عن الحاجة إلى تطوير العمالة والتكنولوجيا والتمويل وربط الشركات الكبيرة بالمصانع الصغيرة والمتوسطة.
فارتفاع نسبة المكوّن المحلي لا يمكن تحقيقه بالقرارات وحدها، وإنما يحتاج إلى شبكة موردين قادرة على الاستمرار والمنافسة.
من «صنع في مصر» إلى «صُنع بالكامل في مصر»
وضعت التحركات الأخيرة الصناعة المصرية أمام مرحلة مختلفة، لم يعد فيها السؤال الأساسي هو عدد المصانع التي دخلت الخدمة، وإنما حجم القيمة التي تضيفها هذه المصانع للاقتصاد المصري.
وكلما تحولت الاستثمارات الجديدة إلى سلاسل إنتاج متكاملة، زادت قدرة مصر على الاحتفاظ بجزء أكبر من قيمة المنتج، وقل اعتماد المصانع على الخارج.
أصبح الرهان خلال المرحلة المقبلة هو الانتقال تدريجيا من عبارة «صنع في مصر» بمعناها التقليدي إلى نموذج أكثر عمقًا يقوم على تصنيع المكونات والمواد الوسيطة داخل البلاد، ثم استخدام هذه المنتجات في صناعات نهائية قادرة على المنافسة والتصدير.
وإذا نجحت هذه المعادلة، فإن أثرها لن يظهر فقط في المصانع الجديدة، وإنما سيمتد إلى الاقتصاد كله؛ من المورد الصغير الذي يصنع قطعة لمصنع كبير، إلى العامل الذي يكتسب مهارة جديدة، وصولا إلى المنتج المصري الذي يجد طريقه إلى سوق خارجية ويحصل الاقتصاد مقابله على عملة أجنبية.
ومن هنا تبدو معركة المكون المحلي واحدة من أهم الملفات التي ستحدد شكل الصناعة المصرية خلال السنوات المقبلة: هل تظل مصر محطة للتجميع والإنتاج، أم تتحول تدريجيا إلى قاعدة صناعية تصنع المكونات والمنتجات معًا وتستخدم موقعها وموانئها واتفاقياتها التجارية للوصول إلى الأسواق العالمية؟










































