أطلقت وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية الجولة الثانية من مبادرة مصر تنطلق بالتصدير من محافظة بورسعيد، بمشاركة 126 شركة من قطاعات صناعية متنوعة، في تحرك يستهدف توسيع قاعدة الشركات المصرية القادرة على النفاذ إلى الأسواق الخارجية، بدلا من تركيز الجزء الأكبر من الصادرات في عدد محدود من الشركات الكبرى.
وجاءت الجولة الجديدة اليوم الإثنين 31 أغسطس 2026، بعد انطلاق المحطة الأولى من محافظة الغربية، ضمن خطة تقوم على الانتقال بين المحافظات للوصول إلى الشركات في مواقعها والتعرف على احتياجاتها التصديرية وتقديم خدمات المعلومات والتمويل والمساندة.
126 شركة تدخل اختبار الأسواق الخارجية
شاركت نحو 126 شركة في الجولة الثانية من المبادرة ببورسعيد، وتوزعت على قطاعات تشمل الصناعات النسيجية والهندسية والكيماوية والغذائية والبناء والتشييد.
وتعكس طبيعة الشركات المشاركة تنوع القاعدة الصناعية في المحافظة، كما تكشف عن محاولة ربط الشركات المحلية مباشرة بالجهات التي يمكنها مساعدتها في معرفة الأسواق الخارجية ومتطلبات النفاذ إليها وأدوات التمويل المتاحة.
ولا تركز المبادرة على تنظيم فعالية تعريفية فقط، وإنما تستهدف الوصول إلى الشركات في مواقع الإنتاج، بما يسمح بتحديد العقبات التي تمنع بعضها من دخول الأسواق الخارجية وتحويل تلك العقبات إلى برامج دعم أكثر ارتباطًا باحتياجات الشركات.
43 % من الصادرات تتركز في 50 شركة
كشفت بيانات عرضها وزير الاستثمار والتجارة الخارجية محمد فريد أن أكبر 50 شركة مصدرة تستحوذ على نحو 43% من إجمالي الصادرات المصرية، بقيمة تصل إلى 91.6 مليار دولار.
كما تستحوذ أكبر 500 شركة على نحو 76% من الصادرات بقيمة 163.3 مليار دولار، بينما تصل حصة أكبر 1000 شركة إلى 85% بقيمة 182.6 مليار دولار، وترتفع النسبة إلى 92% لدى أكبر 2000 شركة بقيمة 197.7 مليار دولار.
وتوضح هذه الأرقام التحدي الذي تحاول المبادرة التعامل معه: مصر لا تحتاج فقط إلى زيادة صادرات الشركات الكبرى، وإنما تحتاج أيضًا إلى توسيع قاعدة الشركات التي تدخل النشاط التصديري لأول مرة وتستطيع الاستمرار فيه.
لماذا لا يكفي دخول الشركة سوقا مرة واحدة؟
تتبنى المبادرة مفهوما أوسع من مجرد زيادة عدد المصدرين، إذ تستهدف ما وصفته وزارة الاستثمار بـ«صنعة التصدير»، بما يعني قدرة الشركة على بدء التصدير والاستمرار في الأسواق الخارجية وزيادة صادراتها ودخول أسواق جديدة.
ويعني ذلك أن نجاح السياسة التصديرية لا يقاس فقط بعدد الشركات التي وقعت أول عقودها الخارجية، وإنما بقدرتها على الحفاظ على عملائها والأسواق التي دخلتها وتحسين قدرتها التنافسية بمرور الوقت.
وتحتاج الشركات لتحقيق ذلك إلى معرفة دقيقة بالطلب الخارجي، وشروط الاستيراد في الدول المستهدفة، وقواعد المنشأ، والتعبئة والمواصفات، إلى جانب التمويل الكافي لتوسيع الإنتاج وتلبية الطلبيات الخارجية.
التمويل يدخل على خط التصدير
شهدت الجولة الثانية دخول جهات تمويلية وشركاء جدد إلى المبادرة، من بينهم بنك تنمية الصادرات والاتحاد المصري للتخصيم والاتحاد المصري لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، إلى جانب اتحاد الصناعات المصرية.
ويعكس إدخال أدوات التمويل إلى منظومة المبادرة إدراكا بأن المشكلة التي تواجه بعض الشركات لا ترتبط دائمًا بوجود سوق خارجية، وإنما قد تكون في قدرتها على تمويل الإنتاج والتوسع وتوفير رأس المال العامل قبل تحصيل قيمة الصادرات.
وتصبح هذه النقطة أكثر أهمية بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة، التي قد تمتلك منتجًا قابلًا للتصدير لكنها تواجه قيودًا في التمويل أو المعرفة أو القدرة على تنفيذ متطلبات الأسواق الخارجية.
بورسعيد تملك ميزة لوجستية للتصدير
اختيار بورسعيد كمحطة ثانية للمبادرة يحمل أهمية اقتصادية تتجاوز عدد الشركات المشاركة، فالمحافظة تمتلك موقعًا جغرافيًا وبنية لوجستية مرتبطة بالموانئ وحركة التجارة الدولية.
وتمنح هذه الميزة الشركات الصناعية الموجودة في المحافظة فرصة أقرب إلى سلاسل التوريد والتصدير، خصوصًا إذا توافرت لديها المنتجات القادرة على المنافسة من حيث السعر والجودة وسرعة التسليم.
لكن الموقع وحده لا يصنع مصدرًا ناجحًا، إذ تظل القدرة الإنتاجية والجودة والتمويل ومعرفة الأسواق عوامل حاسمة في تحويل الإمكانات اللوجستية إلى صادرات فعلية.
الهدف يتجاوز زيادة عدد المصدرين
تستهدف المبادرة توسيع قاعدة الشركات المصدرة ورفع تنافسية المنتج المصري وفتح أسواق جديدة، مع ربط الشركات بالمعلومات والفرص وبرامج المساندة والتمويل.
وتسعى الوزارة من خلال الانتقال بين المحافظات إلى جعل التصدير نشاطا مستمرا داخل الشركات، وليس مجرد فرصة مؤقتة تظهر عند الحصول على طلب خارجي.
ويمنح هذا التوجه أهمية أكبر للشركات الصناعية التي تمتلك قدرات إنتاجية لكنها لم تدخل الأسواق العالمية بعد، لأنها تمثل قاعدة يمكن أن تضيف صادرات جديدة إذا تمكنت من تجاوز عوائق التمويل والمعرفة والتسويق الخارجي.
هل تستطيع المبادرة تغيير خريطة الصادرات؟
سيظل نجاح «مصر تنطلق بالتصدير» مرتبطا بما ستنتجه المبادرة بعد انتهاء الفعاليات من نتائج قابلة للقياس، مثل عدد الشركات الجديدة التي بدأت التصدير، وحجم الزيادة في صادرات الشركات القائمة، وعدد الأسواق الجديدة التي دخلتها المنتجات المصرية.
وتكشف أرقام تركّز الصادرات لدى الشركات الكبرى أن مساحة النمو موجودة بالفعل، لكن تحويلها إلى صادرات إضافية يحتاج إلى بناء منظومة متكاملة تربط الإنتاج بالتمويل والمعلومات واللوجستيات والأسواق.
وفي النهاية، فإن أهمية المبادرة لا تكمن في انتقالها من محافظة إلى أخرى فقط، وإنما في قدرتها على تغيير طريقة تعامل الشركات المصرية مع التصدير من نشاط محدود تقوم به مجموعة من الكيانات الكبرى إلى صناعة أكثر انتشارًا واستدامة.
وإذا نجحت الدولة في تحويل الشركات المشاركة إلى مصدرين مستمرين، فقد تصبح المحافظات الصناعية مصدرًا مهمًا لزيادة الصادرات المصرية بدلًا من استمرار الاعتماد على قاعدة محدودة من الشركات الكبرى.










































