من سيادة القانون إلى سيادة التكنولوجيا ، فتحت القاهرة نقاشا إفريقيا استراتيجيا حول مستقبل العدالة في عصر الذكاء الاصطناعي .
وقد انطلقت بالقاهرة، يوم الاثنين الموافق 31 أغسطس 2026، أعمال المؤتمر السادس عشر للاتحاد الإفريقي للمحامين (PALU)، والذي يستمر حتى الثاني من سبتمبر 2026، بمشاركة واسعة من كبار القضاة والمحامين ورؤساء الهيئات والنقابات القانونية وصناع السياسات والأكاديميين والخبراء من مختلف دول القارة الإفريقية والمهتمين بقضايا القانون والعدالة والحوكمة والتكنولوجيا.
المحامي الإفريقي في عصر الذكاء الاصطناعي: توظيف التكنولوجيا لتحقيق إفريقيا عادلة ومزدهرة
يعقد المؤتمر تحت عنوان استراتيجي يعكس التحول العميق الذي يشهده القطاع القانوني في إفريقيا:
«المحامي الإفريقي في عصر الذكاء الاصطناعي: توظيف التكنولوجيا لتحقيق إفريقيا عادلة ومزدهرة»
The African Lawyer in the Age of AI: Leveraging Technology to Achieve a Just and Prosperous Africa.
وتتولى الجهة المنظمة، اتحاد المحامين الافارقة (Pan African Lawyers Union – PALU) تنظيم المؤتمر، بدعم ومشاركة مؤسسات الاتحاد الإفريقي، وفي مقدمتها مفوضية الاتحاد الإفريقي والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للاتحاد الإفريقي (ECOSOCC)، بما يعكس الأهمية القارية المتزايدة للمؤتمر باعتباره منصة للحوار حول مستقبل المهنة القانونية والعدالة والحوكمة في إفريقيا.
وقد شهدت الجلسة الافتتاحية حضورا رفيع المستوى، تقدمهم الدكتور يمي أوسينباجو، نائب رئيس جمهورية نيجيريا الاتحادية السابق وأستاذ القانون، المتحدث الرئيسي في الجلسة الافتتاحية، إلى جانب الدكتور تيودروس جيتشو تولو، رئيس اتحاد المحامين الأفارقة، والمستشار مارتن سيتوالا موانامبامبوا، رئيس محكمة عدل الكوميسا، ودونالد ديا، الرئيس التنفيذي لاتحاد المحامين الأفارقة والسفير عمرو الجويلى ممثل الاتحادالإفريقي ومدير مديرية المواطنين والشتات بالاتحاد الإفريقي ، إلى جانب عدد من القيادات القضائية والقانونية وممثلي المؤسسات الإفريقية والدولية.
فضلا عن مشاركة الدكتور مصطفى رشيد، مساعد رئيس الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري للشئون العربية، ممثلاً للأكاديمية – جامعة الدول العربية.
الذكاء الاصطناعي يعيد رسم مستقبل المهنة القانونية
ويكتسب المؤتمر أهمية خاصة لكونه لا يتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد أداة تقنية جديدة، وإنما باعتباره تحولاً هيكلياً في منظومة العدالة والقانون والحوكمة والمجتمع والاقتصاد الإفريقي.
فقد أصبح الذكاء الاصطناعي قادرا على التأثير في مجالات البحث القانوني، وتحليل الأحكام والتشريعات، ومراجعة العقود، وإدارة المنازعات، والتحكيم، وإتاحة المعلومات القانونية، فضلاً عن تطوير الخدمات القضائية وتعزيز الوصول إلى العدالة.
وفي المقابل، يطرح الانتشار المتسارع لهذه التقنيات تحديات قانونية وأخلاقية غير مسبوقة تتعلق بحماية البيانات والخصوصية، والسرية المهنية للمحامي، والتحيز الخوارزمي، ودقة المعلومات والمصادر القانونية التي تنتجها الأنظمة الذكية، والمسؤولية عن القرارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وحماية حقوق الإنسان في البيئة الرقمية.
ومن ثم، فإن الرسالة الأساسية للمؤتمر تتمثل في ضرورة أن يكون المحامي الإفريقي شريكا في صياغة قواعد العصر الرقمي، وليس مجرد مستخدم للتكنولوجيا، وأن تنتقل إفريقيا من موقع المتلقي للتكنولوجيا إلى موقع المشارك في وضع المعايير القانونية والأخلاقية والتنظيمية التي تحكم استخدامها.
أوسينباجو: إفريقيا أمام فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون والتكنولوجيا
وفي كلمته الرئيسية، تناول الدكتور يمي أوسينباجو التحديات والفرص التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على مستقبل المهنة القانونية، في سياق الحاجة إلى ضمان أن يؤدي التطور التكنولوجي إلى تعزيز العدالة والمساواة وسيادة القانون، لا إلى تعميق الفجوات القائمة.
رئيس اتحاد المحامين الأفارقة: المحامي الإفريقي يجب أن يشارك في تشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي
أكد الدكتور تيودروس جيتشو تولو، رئيس اتحاد المحامين الأفارقة ، في كلمته الافتتاحية، أن الذكاء الاصطناعي أصبح بالفعل عاملاً مؤثراً في عمل الحكومات والشركات والمهن القانونية، مشدداً على ضرورة أن يشارك المحامون الأفارقة بصورة فاعلة في تشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي بما يتوافق مع القيم واللغات ونظم المعرفة والأولويات التنموية الإفريقية.
كما أشار إلى إمكانات الذكاء الاصطناعي في دعم البحث القانوني ومراجعة الوثائق وصياغة العقود والتقاضي والتحكيم وإتاحة المعلومات القانونية، بما يمكن أن يسهم في خفض تكلفة الخدمات القانونية وتوسيع نطاق الوصول إلى العدالة.
رئيس محكمة عدل الكوميسا: سيادة القانون أساس التكامل الإفريقي
أكد المستشار مارتن سيتوالا موانامبامبوا، رئيس محكمة عدل الكوميسا، في كلمته خلال الافتتاح، أهمية الدور الذي تضطلع به المحكمة في دعم التكامل الاقتصادي الإقليمي من خلال سيادة القانون وتطبيق الإطار القانوني لمعاهدة الكوميسا.
وتعكس مشاركته في المؤتمر أهمية الربط بين تطور التكنولوجيا القانونية وبين مستقبل التكامل الاقتصادي الإفريقي، خاصة مع تنامي التجارة البينية الإفريقية وتطبيق اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، وما يفرضه ذلك من حاجة إلى أطر قانونية وقضائية أكثر تكاملاً وقدرة على التعامل مع الاقتصاد الرقمي والمنازعات العابرة للحدود.
الرئيس التنفيذي لاتحاد المحامين الأفارقة : توحيد الجهود القانونية الإفريقية
أكد دونالد ديا، الرئيس التنفيذي لاتحاد المحامين الأفارقة ، أهمية المؤتمر باعتباره منصة تجمع مختلف مكونات المجتمع القانوني الإفريقي، من المحامين والقضاة والنقابات والهيئات القانونية وصناع السياسات والأكاديميين، بهدف بناء رؤية مشتركة لمستقبل المهنة القانونية في القارة.
الاتحاد الإفريقي: القانون الإفريقي أمام مرحلة جديدة من التحول المؤسسي
شكلت مشاركة السفير عمرو الجويلي، ممثل الاتحاد الإفريقي، بعداً مؤسسياً مهماً في افتتاح المؤتمر، حيث عكست حضور مؤسسات الاتحاد الإفريقي في النقاش حول مستقبل المنظومة القانونية والقضائية للقارة، ودور مديرية المنظمات والشتات الإفريقي في دعم مسارات التنمية والتكامل والحوكمة.
مشاركة الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري
شهد المؤتمر مشاركة الدكتور مصطفى رشيد، مساعد رئيس الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري للشئون العربية، بما يعكس اهتمام الأكاديمية بتعزيز حضورها في القضايا الإفريقية ذات الصلة بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والحوكمة والقانون والتكامل الإقليمي.
وتكتسب مشاركة الأكاديمية أهمية خاصة في ضوء تنامي دور الذكاء الاصطناعي في قطاعات النقل واللوجستيات والتجارة والموانئ وسلاسل الإمداد، وهي قطاعات ترتبط بصورة مباشرة بالتنمية الاقتصادية والتكامل الإفريقي وتفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.
«استرداد التراث الثقافي الإفريقي».. من استعادة الممتلكات إلى استعادة الذاكرة والهوية
على هامش المؤتمر، تم افتتاح معرض متخصص حول استرداد التراث الثقافي الإفريقي، في إطار فعالية Restitution Beyond Return: Reclaiming African Heritage in Today’s Geopolitical and Technological Realities، بمشاركة اتحاد المحامين الأفارقة وشركائه.
ويسلط المعرض الضوء على الدور الذي يمكن أن تؤديه التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في توثيق التراث الإفريقي، وإنشاء قواعد البيانات الرقمية، وتطوير تقنيات العرض الافتراضي، وتعزيز البحث العلمي، وتوفير أشكال جديدة من «الاسترداد الرقمي» عندما يتعذر الاسترداد المادي أو يتأخر.
ثلاثة مسارات استراتيجية للمؤتمر
تتوزع أعمال المؤتمر خلال يومي 1 و2 سبتمبر 2026 حول عدد من المحاور الرئيسية، يأتي في مقدمتها:
أولاً – مستقبل المهنة القانونية في عصر الذكاء الاصطناعي:
بحث تأثير الذكاء الاصطناعي على البحث القانوني والتقاضي والتحكيم وإدارة مكاتب المحاماة والخدمات القانونية، مع التركيز على أخلاقيات استخدام التكنولوجيا وحماية البيانات والسرية المهنية.
ثانياً – القانون والتجارة والتكامل الاقتصادي الإفريقي:
بحث الفرص القانونية المرتبطة باتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، والتجارة العابرة للحدود، والاستثمار، والطاقة، والمعاملات التجارية والشركات، بما يعزز البيئة القانونية للتكامل الاقتصادي الإفريقي.
ثالثاً – القانون والعدالة وحقوق الإنسان والتنمية:
تعزيز دور المهنة القانونية في حماية حقوق الإنسان، ودعم سيادة القانون، وتطوير منظومة العدالة الإفريقية، ومواجهة التحديات الجديدة الناشئة عن التحول الرقمي.
ويؤكد انعقاد المؤتمر في القاهرة أن مصر تواصل ترسيخ موقعها باعتبارها جسراً استراتيجياً بين شمال إفريقيا وبقية أقاليم القارة، ومنصة للحوار حول القضايا الإفريقية الكبرى، لاسيما تلك التي تتقاطع فيها ملفات القانون والاقتصاد والتكنولوجيا والتنمية.
وفي هذا السياق، فإن اختيار القاهرة لاستضافة الدورة السادسة عشرة للمؤتمر يحمل دلالة تتجاوز الاستضافة التنظيمية، ليعكس أهمية الدور المصري في دعم الحوار الإفريقي، وتعزيز التكامل بين المؤسسات القانونية والأكاديمية والاقتصادية والتكنولوجية.










































