تدرس 5 شركات أجنبية تصنيع الأدوية في مصر باستثمارات جديدة ، حيث تكشف تحركات جديدة في قطاع الدواء المصري عن اهتمام متزايد من شركات أجنبية بتوطين التصنيع داخل مصر، بعدما بدأت 5 شركات من المكسيك وإسبانيا والسعودية وأمريكا اللاتينية دراسة إنشاء مصانع وإقامة استثمارات جديدة في السوق المحلية.
في خطوة قد تفتح الباب أمام ضخ رؤوس أموال جديدة في صناعة ترتبط مباشرة بتقليل الاعتماد على الواردات وزيادة القدرة الإنتاجية المحلية.
وأظهرت المناقشات التي جرت بين الشركات وهيئة الدواء المصرية أن المستثمرين الأجانب يدرسون حاليا طبيعة السوق والمنتجات والمجالات العلاجية التي يمكن تصنيعها محليا، على أن تستغرق الدراسات فترة تتراوح بين شهرين و6 أشهر قبل اتخاذ قرارات نهائية بشأن إقامة المشروعات.
مصانع أدوية جديدة تدخل مرحلة دراسة السوق المصرية
وأوضحت البيانات أن تكلفة خط الإنتاج الدوائي الواحد قد تتراوح بين 50 و60 مليون جنيه، بينما تختلف التكلفة النهائية للمصنع وفق عدد خطوط الإنتاج وطبيعة المستحضرات التي سيجري تصنيعها، إلى جانب الاشتراطات الفنية ومتطلبات التشغيل والتسجيل.
ويعني ذلك أن دخول الشركات الخمس مرحلة الدراسة لا يمثل إعلانا نهائيا عن استثمارات مؤكدة حتى الآن، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن وجود فرص استثمارية قيد البحث داخل قطاع الدواء، خصوصا في المجالات التي تستطيع الشركات الأجنبية نقل خبراتها وتقنياتها إليها وتوفير منتجات يتم تصنيعها داخل السوق المصرية بدلا من الاعتماد الكامل على الاستيراد.
التصنيع المحلي يتحول إلى عامل جذب للمستثمرين
ويأتي التحرك الأجنبي في وقت يمر فيه قطاع الدواء المصري بمرحلة توسع في التصنيع المحلي، مع تركيز متزايد على زيادة نسب التصنيع داخل مصر وتوطين المواد الخام والمستلزمات المرتبطة بالصناعة.
وأكد رئيس هيئة الدواء المصرية في تصريحات حديثة أن نسبة التصنيع المحلي وصلت إلى نحو 91%، مع استمرار العمل على تعميق الصناعة وتوطين المواد الخام ورفع قدرة القطاع على تلبية احتياجات السوق.
وتمنح هذه القاعدة الإنتاجية مصر ميزة مهمة أمام المستثمر الأجنبي، لأن إنشاء مصنع جديد لا يبدأ من سوق خالية من الصناعة، وإنما يمكن أن يستفيد من وجود بنية تصنيع دوائي وخبرات بشرية وسوق محلية كبيرة وشبكة توزيع قائمة بالفعل.
المواد الخام قد تكون الرهان الأكبر في المرحلة المقبلة
وتبرز المواد الخام الدوائية باعتبارها أحد الملفات الأكثر أهمية في جذب الاستثمارات الجديدة، خصوصا أن تصنيع المنتج النهائي محليًا لا يعني بالضرورة امتلاك كامل سلسلة القيمة داخل الدولة.
ويرى قطاع صناعة الدواء أن دخول الشركات الأجنبية في تصنيع المواد الخام يمكن أن يضيف قيمة أكبر للسوق، من خلال دعم سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وهو ما يجعل الاستثمار في المواد الفعالة والمكونات الدوائية أحد المسارات التي يمكن أن تغير شكل الصناعة خلال السنوات المقبلة.
وتكشف هذه النقطة تحديدا عن زاوية اقتصادية مهمة؛ فكل مصنع جديد لا ينبغي النظر إليه فقط باعتباره وحدة إنتاج للأدوية، وإنما باعتباره فرصة لبناء شبكة أوسع من الموردين المحليين ومصنعي العبوات والمستلزمات والمواد الخام والخدمات اللوجستية، بما يرفع القيمة التي يحتفظ بها الاقتصاد المصري من كل جنيه يتم ضخه في القطاع.
صادرات الدواء تفتح بابا أمام المستثمر الأجنبي
وتملك مصر فرصة أخرى في تحويل الاستثمارات الجديدة إلى مشروعات إنتاجية تستهدف التصدير، خاصة إلى الأسواق الأفريقية والعربية التي تتمتع بقرب جغرافي وعلاقات تجارية مع مصر.
وتعمل شركات دواء محلية بالفعل على التوسع في الأسواق الخارجية، بينما تشير التحركات الجديدة إلى اهتمام بإنشاء طاقات إنتاجية يمكنها خدمة السوق المصرية أولا ثم الانطلاق إلى أسواق أخرى بعد استكمال متطلبات التسجيل والجودة.
ويعني جذب مصنع أجنبي إلى مصر أن العائد المحتمل لا يقتصر على توفير المنتج محليا، إذ يمكن للمشروع أن يتحول إلى مصدر للعملة الأجنبية إذا نجح في تصنيع منتجات مطلوبة في الأسواق الخارجية، وهو ما يجعل التصدير عنصرًا مهمًا في تقييم جدوى الاستثمارات الجديدة داخل قطاع الدواء.
استثمارات الدواء تضيف قوة للصناعة المصرية
وتستهدف شركة «زيتا» للأدوية، على سبيل المثال، الوصول إلى مبيعات قدرها 3 مليارات جنيه خلال 2026 مقابل نحو 2.2 مليار جنيه في العام السابق، كما تمتلك مصنعا في مدينة السادات وتعمل على إنشاء مصنع آخر في المنطقة نفسها على مساحة إجمالية تقترب من 35 ألف متر.
وأوضحت الشركة أن لديها 17 خط إنتاج تغطي مجموعة واسعة من المنتجات الدوائية، إلى جانب خطط لإضافة منتجات جديدة، بينما يجري العمل كذلك على مشروع «زيتا جلف» في السعودية ضمن خطة توسع إقليمية متوقع دخولها مرحلة التشغيل خلال 2027.
ويعكس ذلك أن المنافسة داخل قطاع الدواء لم تعد قائمة فقط على زيادة عدد المنتجات، وإنما تتجه تدريجيًا نحو توسيع الطاقة الإنتاجية وبناء شركات قادرة على العمل في أكثر من سوق، وهو اتجاه يمكن أن تستفيد منه الاستثمارات الأجنبية الجديدة إذا ارتبطت مشروعاتها بخطط تصدير واضحة.
مصر تبحث عن قيمة أكبر من المصنع الجديد
وتكشف التحركات الأخيرة أن السؤال الاقتصادي الأهم بالنسبة إلى مصر لم يعد متعلقا بعدد المصانع التي يمكن جذبها فقط، وإنما بنوعية التصنيع الذي ستضيفه هذه المصانع إلى الاقتصاد.
فالمصنع الذي ينتج مستحضرات نهائية يمثل إضافة، لكن المصنع الذي يصنع المواد الخام أو المكونات الدوائية ويعتمد على موردين محليين ويوجه جزءا من إنتاجه للتصدير يضيف قيمة اقتصادية أوسع، لأنه يربط الاستثمار الأجنبي بسلسلة إنتاج كاملة بدلًا من الاكتفاء بمرحلة واحدة.
ومن هذه الزاوية، فإن دخول 5 شركات أجنبية مرحلة دراسة الاستثمار في صناعة الدواء يمثل فرصة أمام السوق المصرية لجذب مشروعات جديدة ذات قيمة مضافة، خاصة إذا تحولت الدراسات الحالية إلى قرارات إنشاء فعلية خلال الفترة المقبلة.
وبالنسبة إلى منصة سوق المال، فإن قطاع الدواء أصبح أحد الملفات التي تستحق المتابعة ليس فقط من زاوية الأسعار أو توافر المستحضرات، ولكن باعتباره صناعة قادرة على جذب الاستثمار الأجنبي، وتقليل فاتورة الاستيراد، وتوطين التكنولوجيا، وفتح أسواق تصديرية جديدة أمام المنتج المصري.
وتبقى المرحلة المقبلة مرتبطة بنتائج الدراسات التي تجريها الشركات الخمس، وما إذا كانت ستتحول إلى مصانع وخطوط إنتاج فعلية، وحجم الاستثمارات التي ستضخها، والمنتجات التي ستختار تصنيعها، ومدى ارتباطها بخطة أوسع لتوطين المواد الخام وزيادة صادرات الدواء المصري.










































