تقترب صناعة الأجهزة المنزلية والكهربائية في مصر من مرحلة توسع جديدة، مع ترقب دخول علامات عالمية جديدة إلى التصنيع المحلي واستثمارات قد تصل إلى ملياري دولار بحلول 2027، في وقت بدأت فيه المصانع العاملة بالفعل في زيادة طاقاتها وتوسيع حضورها التصديري، بما يضع القطاع أمام فرصة للتحول من سوق استهلاكية كبيرة إلى قاعدة إنتاج تخدم مصر والأسواق الخارجية في الوقت نفسه.
وتكشف الأرقام أن هذا التحول لا يأتي من فراغ، إذ سجلت صادرات الأجهزة المنزلية والكهربائية المصرية نحو 721.05 مليون دولار خلال النصف الأول من 2026، بينما توجد توقعات بوصول صادرات القطاع إلى نحو 1.5 مليار دولار بنهاية العام، وهو ما يعكس اتساع الدور الذي تلعبه المصانع الموجودة في مصر داخل منظومة التصدير.
استثمارات جديدة تضع الأجهزة المنزلية أمام مرحلة مختلفة
وتشير التقديرات المنشورة إلى أن الجزء الأكبر من الاستثمارات المرتقبة يأتي من شركات صينية، إلى جانب شركات تركية وعلامات أوروبية، مع وجود مشروعات جديدة وتوسعات لمصانع قائمة بالفعل، وهو ما يعني أن الرقم المتوقع لا يرتبط بمشروع واحد، وإنما بموجة استثمارية تمتد إلى أكثر من لاعب داخل القطاع.
وتبرز أسماء عالمية ضمن التحركات الجديدة، من بينها AUX الصينية المتخصصة في أجهزة التكييف، وHisense الصينية التي تتجه من مرحلة التجميع إلى التصنيع، إلى جانب Beko التركية التي تخطط لمزيد من التوسع في السوق المصرية، في وقت توجد فيه بالفعل قاعدة كبيرة من المصنعين الدوليين العاملين في مصر.
ويعني انتقال شركات جديدة إلى التصنيع المحلي أن المنافسة المقبلة لن تكون فقط على بيع الأجهزة داخل السوق المصرية، وإنما على إنشاء خطوط إنتاج قادرة على تلبية الطلب المحلي وتوفير فائض للتصدير، خصوصًا مع استفادة مصر من موقعها القريب من أوروبا وأفريقيا والأسواق العربية.
721 مليون دولار تكشف قوة التصدير المصري
وتوضح بيانات النصف الأول من العام أن صادرات القطاع وصلت إلى 721.05 مليون دولار، وتصدرت Samsung Electronics Egypt قائمة أكبر الشركات المصدرة، تلتها LG Electronics Egypt، ثم Fresh Electric، وAtlantic Engineering، وMidea Electric Egypt.
ويكشف ترتيب الشركات المصدرة عن نقطة مهمة في تطور الصناعة المصرية، وهي أن وجود العلامات العالمية داخل مصر لم يعد مرتبطًا فقط بالسوق المحلية، بل أصبح مرتبطًا كذلك باستخدام المصانع المصرية كمراكز إنتاج يمكن من خلالها الوصول إلى الأسواق الخارجية.
وتدعم هذه القاعدة توقعات وصول صادرات الأجهزة المنزلية والكهربائية إلى 1.5 مليار دولار خلال 2026، وفق تقديرات رئيس المجلس التصديري للصناعات الهندسية، الذي توقع في الوقت نفسه وصول إجمالي صادرات الصناعات الهندسية المصرية إلى 7.5 مليار دولار هذا العام مقابل 6.5 مليار دولار خلال 2025.
مصر تراهن على أوروبا والخليج وأفريقيا
وتمنح الخريطة الجغرافية لمصر قطاع الأجهزة ميزة مهمة، خاصة عند مقارنة تكلفة نقل المنتجات من المصانع المصرية إلى الأسواق القريبة بتكلفة شحن المنتجات من شرق آسيا، وهو عامل يمكن أن يصبح أكثر تأثيرًا عندما تكون السلعة كبيرة الحجم مثل الثلاجات والغسالات وأجهزة التكييف.
وتستفيد الشركات كذلك من شبكة الاتفاقيات التجارية المصرية، إلى جانب قرب السوق الأوروبية ووجود أسواق كبيرة في الخليج وأفريقيا، ما يسمح للمصنع الموجود في مصر بتوزيع إنتاجه بين أكثر من منطقة بدلًا من الاعتماد على سوق واحدة.
وتشير التقديرات إلى أن جزءا كبيرًا من الاستثمارات الأجنبية الجديدة في قطاع الأجهزة يستهدف التصدير، مع توجه لاستغلال مصر كمنصة إنتاج إقليمية، وهو ما يجعل نجاح هذه المشروعات مرتبطًا بقدرتها على رفع المكون المحلي وتحسين جودة المنتج وليس فقط زيادة عدد خطوط الإنتاج.
العين السخنة تدخل على خط صناعة الأجهزة
وتتحرك استثمارات محلية بالتوازي مع دخول العلامات العالمية، إذ تخطط مجموعة الصافي لإنشاء مجمع صناعي جديد للأجهزة المنزلية في العين السخنة على مساحة تتجاوز 70 ألف متر مربع.
ويستهدف المجمع إنتاج مجموعة متنوعة من الأجهزة، تشمل الثلاجات وغسالات الملابس وغسالات الأطباق وأجهزة التكييف، مع دراسة التعاون مع شركتين صينيتين للعمل تحت العلامة التجارية للمجموعة.
ويبدأ المشروع، وفق البيانات المنشورة، بنسبة تصدير لا تقل عن 20% من الإنتاج مقابل 80% للسوق المحلية، مع خطة لزيادة حصة التصدير تدريجيًا بحيث تصبح الأسواق الخارجية صاحبة النسبة الأكبر بعد مرور ثلاث سنوات من بدء الإنتاج.
وتعطي هذه الخطة مؤشرًا على تغير طريقة التفكير في الاستثمار داخل القطاع؛ فالمصنع الجديد لا يتم تصميمه لتلبية الاستهلاك المحلي فقط، وإنما يجري وضع التصدير ضمن حساباته منذ البداية، وهو ما يرفع القيمة الاقتصادية للمشروع إذا نجح في تحقيق طاقات إنتاجية مستقرة وأسواق خارجية دائمة.
50 % من المكونات المستوردة يمثل التحدي الأبرز
وتواجه الصناعة في المقابل تحديًا يتعلق بارتفاع الاعتماد على المكونات المستوردة، إذ تشير البيانات المنشورة إلى أن الشركات تستورد نحو 50% من مكونات المنتج النهائي، وهو ما يعني أن زيادة الإنتاج لا تعني بالضرورة زيادة القيمة المضافة المحلية بنفس النسبة.
ويجعل ذلك ملف المكونات أحد أهم الاختبارات أمام صناعة الأجهزة المنزلية المصرية، لأن توطين الضواغط والمحركات والدوائر الإلكترونية والمكونات البلاستيكية والمعدنية وغيرها يمكن أن يخلق تأثيرًا أكبر بكثير من مجرد زيادة عدد الأجهزة المنتجة.
وتحتاج المرحلة المقبلة إلى ربط المصانع الكبيرة بشبكة أوسع من الموردين المحليين، بحيث تحصل الشركات المصرية الصغيرة والمتوسطة على فرصة للدخول في سلاسل توريد الأجهزة، وهو ما يخلق استثمارات جديدة خارج المصانع الرئيسية ويزيد فرص العمل ويقلل الضغط على العملة الأجنبية.
المنافسة العالمية تنقل الصناعة إلى مستوى جديد
وتوضح التحركات الحالية أن دخول علامات جديدة إلى مصر قد يرفع مستوى المنافسة داخل السوق، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يخلق فرصة لنقل التكنولوجيا والخبرات ورفع كفاءة خطوط الإنتاج.
وتستطيع مصر الاستفادة من وجود الشركات العالمية إذا ارتبط الاستثمار بالتدريب ونقل المعرفة وتوطين المكونات، لأن القيمة الحقيقية للمصنع لا تتوقف عند قيمة إنتاجه السنوية، وإنما تمتد إلى ما يخلقه من موردين محليين وخبرات فنية وقدرات تصنيعية قابلة للتوسع.
وتكشف هذه النقطة عن المسار الذي يستحق المتابعة خلال الفترة المقبلة: هل تتحول الاستثمارات الجديدة إلى صناعة متكاملة أم تظل نسبة كبيرة من القيمة مرتبطة بمكونات مستوردة؟ وهنا تظهر أهمية متابعة نسب المكون المحلي والصادرات والطاقة الإنتاجية، وليس قيمة الاستثمار المعلنة فقط.
الأجهزة المنزلية تتحول إلى ورقة تصدير جديدة
وتقرأ منصة سوق المال هذه التحركات باعتبارها واحدة من الفرص الصناعية التي يمكن أن تربط السوق المحلية بالتجارة الخارجية، خاصة أن مصر تمتلك بالفعل قاعدة إنتاجية لشركات عالمية، بينما تظهر أرقام الصادرات أن القطاع بدأ يحقق حضورًا ملموسا في الأسواق الخارجية.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن دخول استثمارات جديدة بقيمة قد تصل إلى ملياري دولار بحلول 2027، بالتزامن مع مستهدف صادرات يبلغ 1.5 مليار دولار خلال 2026، يمكن أن يرفع وزن صناعة الأجهزة المنزلية داخل الصادرات الصناعية المصرية.
ويبقى العامل الحاسم في هذه المرحلة هو قدرة مصر على تحويل توسع المصانع إلى قيمة مضافة محلية وصادرات مستدامة، عبر زيادة تصنيع المكونات داخل البلاد ورفع كفاءة الإنتاج وتحسين القدرة على المنافسة في أوروبا وأفريقيا والخليج، لتصبح الأجهزة المنزلية واحدة من الصناعات التي تحقق تدفقات تصديرية مستقرة بدلًا من الاكتفاء بتغطية الطلب المحلي.










































