بقلم: الدكتور مصطفى رشيد
الخبير الاقتصادى البحرى
تشهد البيئة الجيوسياسية في الشرق الأوسط مرحلة من عدم الاستقرار الهيكلي نتيجة تصاعد التوترات المرتبطة بالصراع غير المباشر بين الولايات المتحدة و إيران، وهو صراع يتخذ طابعاً مركباً يجمع بين:
الردع العسكري
الحرب الاقتصادية
الضغط الجيوسياسي غير المباشر

ويشير تطور التوترات في منطقة الخليج العربى إلى تحوّل نوعي في طبيعة الصراع العربى الإقليمي ، حيث لم تعد المواجهة العسكرية التقليدية هي الأداة الرئيسية للردع ، بل أصبحت البنية التحتية الحيوية والممرات البحرية الاستراتيجية أدوات مركزية في معادلة القوة.
ويكتسب هذا الصراع أهمية استثنائية بسبب تمركزه في منطقة تضم أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، وعلى رأسها:

مضيق هرمز
مضيق باب المندب
البحر الأحمر
خليج عُمان
ويمثل هذان المضيقان معاً أحد أهم الشرايين الحيوية للتجارة العالمية، حيث تمر عبرهما نسبة كبيرة من:
تجارة الطاقة العالمية
حركة الحاويات
سلاسل الإمداد الصناعية
وفي هذا السياق يمثل البيان المشترك الصادر في 25 مارس 2026 عن كل من:
المملكة العربية السعودية
الإمارات العربية المتحدة
دولة قطر
دولة الكويت
مملكة البحرين
المملكة الأردنية الهاشمية
تحولاً مهماً في قواعد الاشتباك العربى الإقليمي.
فالبيان لا يقتصر على الإدانة السياسية ، بل يؤسس لمرحلة جديدة من الردع الجماعي العربي في مواجهة التهديدات المرتبطة بإيران أو الجماعات المسلحة المدعومة منها.
ويكشف تحليل هذا البيان أن الصراع في المنطقة يتجه نحو نموذج استراتيجي جديد يمكن تسميته:
حرب الشرايين الحرجة للنظام العالمي
حيث يقوم الردع المتبادل على احتمالين متوازيين:
تعطيل شبكات الكهرباء والبنية التحتية الحيوية
تعطيل الممرات البحرية الاستراتيجية خاصة مضيق هرمز و مضيق باب المندب.

وتشير النماذج التحليلية الواردة في هذا التقرير إلى أن إغلاقاً متزامناً أو متتالياً للمضيقين قد يؤدي إلى اضطراب ما يقرب من 18–20٪ من التجارة البحرية العالمية.
ويأتي هذا التقرير لتقديم تحليل استراتيجي معمق للتطورات الأخيرة، مع التركيز على:
تقييم بيان 25 مارس 2026 الصادر عن دول الخليج العربى والأردن.
تحليل المؤشرات الاستراتيجية للصراع الأمريكي – الإيراني.
بناء نموذج حسابي لتقدير تأثيرات إغلاق مضيقي هرمز وباب المندب.
تقديم توصيات استراتيجية لصانع القرار العربي في قطاع النقل البحري.
أولا : تقييم بيان 25 مارس 2026 الصادر عن دول الخليج العربى والأردن.
الدلالات الاستراتيجية
في 25 مارس 2026 أصدرت مجموعة من الدول العربية ، وفي مقدمتها الدول الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية إضافة إلى الأردن، بياناً سياسياً يعكس مستوى القلق الإقليمي المتصاعد إزاء التهديدات التي تطال الممرات البحرية في المنطقة.
مضمون البيان

جاء في البيان المشترك للدول الست:
تدين الدول بشدة الاعتداءات الإيرانية التي تمثل انتهاكًا صارخًا لسيادة الدول وسلامة أراضيها ، ومخالفة صريحة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ، سواء كانت هذه الاعتداءات مباشرة أو عبر الجماعات المسلحة المدعومة من إيران في المنطقة.
كما تدين الدول الهجمات التي تنفذها فصائل مسلحة موالية لإيران انطلاقًا من أراضي العراق ضد منشآت وبنية تحتية حيوية في دول المنطقة.
وتؤكد الدول أن هذه الأعمال تمثل تهديدًا خطيرًا للأمن والاستقرار الإقليميين ، وتشدد على حقها الكامل في الدفاع عن نفسها فرديًا وجماعيًا وفق ميثاق الأمم المتحدة.
كما تدعو حكومة العراق إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع استخدام أراضيها لشن هجمات على الدول المجاورة.
ويشير مضمون البيان إلى تحول في الخطاب السياسي نحو صياغة إطار ردع إقليمي مشترك.
الأبعاد الاستراتيجية للبيان
يعكس البيان ستة اتجاهات رئيسية:
1- التحول من الدبلوماسية إلى الردع الجماعي
البيان يمثل انتقالاً واضحًا من لغة الاحتواء الدبلوماسي إلى لغة الردع الجماعي.
فبدلاً من بيانات منفردة تصدرها دولة بعينها ، جاء البيان:
بصيغة جماعية
بلغة قانونية واضحة
مع تأكيد حق الدفاع الجماعي
وهذا يعني أن أي اعتداء مستقبلي قد يُنظر إليه باعتباره:
” اعتداءً على منظومة عربية وليس على دولة منفردة ” .
2- إسقاط ” مظلة الوكلاء ” عن إيران
أحد أهم التحولات في البيان هو تحميل إيران المسؤولية حتى عند استخدام الوكلاء.
في العقيدة العسكرية الإيرانية تعتمد طهران على ما يسمى:
حرب الشبكات الإقليمية
أي استخدام جماعات مسلحة مرتبطة بها في عدة دول.
البيان يهدف إلى كسر هذه المعادلة عبر:
تحميل إيران المسؤولية المباشرة
اعتبار الهجمات الصادرة من الجماعات المدعومة منها جزءًا من استراتيجيتها العسكرية.

3- إدخال العراق في معادلة الضغط العربى الإقليمي
الإشارة المباشرة إلى العراق تحمل دلالات استراتيجية مهمة:
تحميل بغداد مسؤولية ضبط الميليشيات
منع استخدام أراضيها كمنصة إطلاق للهجمات
وهذا يخلق ضغطًا مزدوجًا على الحكومة العراقية:
سياسيًا من الدول العربية
أمنيًا من المجتمع الدولي.
4- الرسالة الاقتصادية: حماية البنية التحتية للطاقة
البيان يشير ضمنيًا إلى استهداف:
منشآت الطاقة
البنية التحتية الحيوية
وهي رسالة مرتبطة مباشرة بأمن إمدادات الطاقة العالمية.
فالمنطقة التي صدر عنها البيان تمثل:
أكثر من 35% من صادرات النفط العالمية.
أي تهديد لها قد يؤدي إلى:
اضطراب كبير في أسواق الطاقة العالمية.

5- الرسالة الموجهة للقوى الكبرى
يحمل البيان رسالة غير مباشرة إلى القوى الدولية الكبرى، خصوصًا:
الولايات المتحدة والصين وروسيا.
6- إدراك استراتيجي لحساسية الممرات البحرية
تعتمد اقتصادات الخليج العربى بشكل مباشر على استقرار الملاحة في:
مضيق هرمز
البحر الأحمر
باب المندب.
مضمون الرسالة:
أن أمن الخليج لم يعد مسألة محلية فقط ، بل أصبح عنصرًا حاسمًا في أمن الاقتصاد العالمي.
ثانيا : تحليل المؤشرات الاستراتيجية للصراع الامريكى – الايرانى
يمكن تحليل طبيعة الصراع بين الولايات المتحدة وإيران من خلال مجموعة من المؤشرات الكمية والاستراتيجية.

المؤشر الأول: أهمية الخليج العربى في الطاقة العالمية
المؤشر القيمة التقديرية
إنتاج النفط في الخليج 32 مليون برميل يومياً
حصة الخليج من صادرات النفط العالمية 40%
احتياطي النفط العالمي في الخليج 48%
احتياطي الغاز العالمي 38%
نسبة النفط العالمي الذي يمر عبر الخليج 30–32%

المؤشر الثانى: أهمية الطاقة للدول التى اصدرت بيان 25 مارس 2026
الدول التى اصدرت بيان 25 مارس 2026 تمثل قوة طاقة عالمية
الدولة الإنتاج النفطي اليومي
المملكة العربية السعودية 10–11 مليون برميل
الإمارات العربية المتحدة 3.5–4 ملايين برميل
الكويت 2.5 مليون برميل
قطر 1.3 مليون برميل
إيران 3–3.5 مليون برميل
تمثل هذه الدول مجتمعة ما يقارب 45% من احتياطيات النفط العالمية المؤكدة .
المؤشر الثالث: حرب البنية التحتية الكهربائية
تمتلك إيران شبكة كهرباء مركزية واسعة ، وفى حالة استهداف شبكات الكهرباء ضمن سيناريو الحرب مع ايران قد تظهر التأثيرات التالية :

خصائص الشبكة الكهربائية الايرانية :
المؤشر القيمة التقديرية
القدرة الكهربائية 90–95 جيجاواط
عدد محطات التوليد أكثر من 600 محطة
عدد محطات التحويل الرئيسية نحو 400 محطة
نسبة الاعتماد على الشبكة المركزية أكثر من 85 %
وتشير الدراسات إلى أن تعطيل 10–15 محطة تحويل رئيسية فقط قد يؤدي إلى انهيار متسلسل يشل من 60 – 70 % من الشبكة الكهربائية.
المؤشر الرابع : التوازن العسكرى في الخليج العربى
تشير تقديرات التوازن العسكرى إلى وجود كثافة عسكرية كبيرة فى المنطقة .
القوات البحرية الدولية فى الخليج العربى
المؤشر القيمة التقديرية
عدد القطع البحرية الأمريكية في المنطقة 40–50 قطعة
القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج أكثر من 15 قاعدة
القوات الأمريكية 45 ألف جندي
القوات البحرية في المنطقة 60 سفينة
الزوارق السريعة الإيرانية 1500–2000 زورق
منصات الصواريخ الساحلية الإيرانية أكثر من 300 منصة
مدى الصواريخ الساحلية الإيرانية 300 – 700 كم
وهذا يوضح ان منطقة الخليج العربى يمثل أحد أكثر البحار عسكرة فى العالم .
المؤشر الخامس : المخاطر الجيوسياسية
وفق نماذج تقييم المخاطر العالمية
المؤشر القيمة التقديرية
احتمال تعطيل الملاحة في هرمز 30–40%
احتمال هجمات على منشآت الطاقة 25%
احتمال توسع الصراع إقليمياً 15–20%
المؤشر السادس : الابعاد الاقتصادية للأزمة
المؤشر القيمة التقديرية
خسائر الاقتصاد العالمي خلال شهر 500 مليار دولار
انخفاض التجارة العالمية 5–7%
ارتفاع التضخم العالمي 2%
خسائر قطاع الشحن البحري 20–30 مليار دولار
المؤشر السابع : المخاطر البحرية
المؤشر القيمة التقديرية
ارتفاع أقساط التأمين البحري 30 – 70٪
زيادة زمن الرحلات 10 – 25٪
زيادة تكاليف النقل 15 – 30٪
ثالثا : معادلة الحرب الجديدة
الكهرباء مقابل المضايق
تشير تطورات الأزمة إلى ظهور معادلة ردع جديدة.
السيناريو الأول
استهداف الشبكات الكهربائية الإيرانية.
تعتمد شبكة الكهرباء الإيرانية على:
48 محطة تحويل استراتيجية
12 مركز تحكم رئيسي.
تعطيل 6–8 محطات فقط قد يؤدي إلى:
انقطاع الكهرباء عن 40–60% من إيران.
السيناريو الثاني
رد إيراني عبر تهديد الملاحة في:
مضيق هرمز
مضيق باب المندب





































