كتب: عبد الناصر منصور
جاوز سعر مزيج خام برنت لفترة محدودة مستوى 100 دولار أمريكي للبرميل خلال الأسبوع، عقب إعلان الحكومة الأمريكية فرض حصار بحري على مضيق هرمز للسفن المتجهة من وإلى الموانئ والسواحل الإيرانية.
وطبقا لتقرير كامكو إنفست حول أداء أسواق النفط العالمية أبريل 2026 ،جاء هذا التصعيد في أعقاب تعثر محادثات السلام عالية المخاطر بين الجانبين بشأن الحرب في الشرق الأوسط، مما هدد الهدنة الهشة لأسبوعين والتي أُعلن عنها مؤخراً. إلا أن الأسعار تراجعت سريعاً خلال نفس اليوم، مع ظهور مؤشرات على سعي الطرفين إلى استئناف المفاوضات عبر جولة جديدة تهدف إلى التوصل إلى وقف إطلاق نار طويل الأمد. كما ساهم مرور ناقلة نفط خاضعة للعقوبات الأمريكية عبر مضيق هرمز على الرغم من الحصار في تهدئة الأسواق، في إشارة إلى مرونة نسبية في الموقف الأمريكي. وفي السياق ذاته، أشار تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال إلى الضغوط التي تمارسها السعودية على الولايات المتحدة لرفع الحصار والعودة إلى طاولة المفاوضات.

اتجاه أسعار النفط منذ بداية العام
في المقابل، امتدت تداعيات الحرب إلى الاقتصاد العالمي نتيجة ما يوصف بأنه أكبر اضطراب في إمدادات النفط الخام في التاريخ. إذ تم خفض معدلات تشغيل المصافي في عدد من الدول، بما في ذلك الصين، كما أعلنت عدة دول تطبيق إجراءات لترشيد استهلاك الوقود في الأسواق المحلية، في حين تأثرت قطاعات مثل النقل والسفر الجوي بشكل ملحوظ نتيجة تضاعف الأسعار في بعض الحالات. وكشفت بعض التقارير عن ارتفاع أسعار البنزين والديزل في الولايات المتحدة إلى أعلى مستوياتها منذ العام 2022، فيما اقتربت أسعار وقود الطائرات والديزل في أوروبا من مستويات قياسية أو بلغت أعلى مستوياتها على الإطلاق متجاوزة 200 دولار أمريكي للبرميل. من جهة أخرى، أوصت وكالة الطاقة الدولية باتخاذ تدابير لخفض الطلب، تشمل تقليل حدود السرعة، وخفض السفر الجوي، وزيادة الاعتماد على وسائل النقل العام للحد من استهلاك الوقود، في حين اتجهت عدة دول إلى تقييد صادرات الوقود لضمان توافره في الأسواق المحلية.
على صعيد الطلب، أبقت منظمة أوبك على توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط عند نحو 1.4 مليون برميل يومياً خلال العام، في حين أشارت وكالة الطاقة الدولية في أحدث تقاريرها الشهرية إلى احتمال تراجع الطلب هذا العام نتيجة ارتفاع الأسعار وتأثيره
السلبي على مستويات الاستهلاك، بعد أن كانت قد توقعت سابقاً نمو الطلب بنحو 730 ألف برميل يومياً في العام 2026. ووفقاً للوكالة، يتوقع أن يكون اللقيم البتروكيماوي من أكثر القطاعات تأثراً بشكل فوري، في ظل الاضطرابات الحادة التي طالت سلاسل الإمداد، لا سيما في الأسواق الآسيوية.
أما على جانب العرض، فقد تراجع إنتاج الأوبك إلى أدنى مستوياته منذ حرب الخليج، إذ بلغ متوسط الإنتاج 22.05 مليون برميل يومياً خلال شهر مارس 2026، مقارنةً بالمستويات المرتفعة التي تم تسجيلها خلال الشهر السابق، وفقاً للبيانات الصادرة عن وكالة بلومبرج. وجاء الانخفاض بشكل أكثر حدة في العراق عند 2.8 مليون برميل يومياً، وتبعها كل من السعودية والإمارات والكويت، في حين تم تعويض جزء من هذا التراجع بزيادة إنتاج فنزويلا. وفي المقابل، تراجع إنتاج النفط في الولايات المتحدة للأسبوع السادس على التوالي هامشياً ليبلغ 13.6 مليون برميل يومياً.

الاتجاهات الشهرية لأسعار النفط
وصلت أسعار النفط الخام إلى مستويات لم نشهدها منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية في العام 2022، إذ استقرت العقود الآجلة لمزيج خام برنت فوق مستوى 100 دولار أمريكي للبرميل خلال الأسبوع الأخير من مارس 2026، عقب تعطل تدفقات النفط عبر مضيق هرمز. كما ساهمت الهجمات المستمرة على البنية التحتية النفطية في المنطقة في إبقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة وحساسة للتطورات. إلا أن إعلان هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران ساهم في تهدئة الأسواق، حيث تراجعت أسعار العقود الآجلة إلى نحو 95 دولار أمريكي للبرميل. وفي المقابل، ظل سوق النفط الفعلي نشطاً بشكل ملحوظ، مع إقبال المشترين على الشحنات المتاحة رغم ارتفاع الأسعار. وأفاد تقرير لوكالة بلومبرج بأن أربع طلبات فقط من أصل أربعين طلب في السوق الفعلي لخام بحر الشمال قوبلت بعروض.، في حين تم تداول شحنات الأسابيع المقبلة عند مستويات تجاوزت 140 دولار أمريكي للبرميل. كما اتسع الفارق بين أسعار مزيج خام برنت المؤرخ، وهو المعيار العالمي لأسعار شحنات النفط الفعلية، والعقود الآجلة لمزيج خام برنت ليصل إلى نحو 34 دولار أمريكي للبرميل في ذروة الأزمة، إذ بلغ سعر مزيج خام برنت المؤرخ 144 دولار أمريكي للبرميل قبيل إعلان الهدنة. وبعد الإعلان، تراجع هذا المؤشر إلى 124 دولار أمريكي للبرميل، إلا أنه عاد للارتفاع تدريجياً ليقترب من 130 دولار أمريكي للبرميل خلال الجلسات الأخيرة، نتيجة استمرار نقص الإمدادات. وأدى هذا النقص إلى قيام المصافي في الصين بخفض معدلات التشغيل، فيما تدرس نظيراتها في أوروبا تقليص الإنتاج نتيجة صعوبات الإمداد. كما حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن أسعار العقود الآجلة لا تعكس بشكل كامل حدة أزمة الإمدادات غير المسبوقة، مشيرة إلى أن الضغوط التي تتعرض لها السوق مرشحة للتصاعد خلال الأشهر المقبلة مع استمرار اضطرابات الإمدادات.
وعلى صعيد الاتجاه الشهري للأسعار، سجل متوسط أسعار النفط الخام ارتفاعاً للشهر الثاني على التوالي في مارس 2026، مدفوعة باضطرابات الإمدادات الناتجة عن الصراع في الشرق الأوسط. إذ بلغ متوسط سعر العقود الفورية لمزيج خام برنت أعلى مستوياته في أكثر من ثلاث سنوات ونصف، مرتفعاً بنسبة 46.1 في المائة ليصل إلى 103.8 دولار أمريكي للبرميل. وفي المقابل، ارتفع متوسط سعر سلة الأوبك المرجعية بمعدل أعلى بنسبة 71.4 في المائة ليبلغ 116.4 دولار أمريكي للبرميل، كما ارتفعت أسعار خام التصدير الكويتي بنسبة 86.5 في المائة لتسجل متوسطاً قدره 124.3 دولار أمريكي للبرميل في مارس 2026.

الطلب العالمي على النفط
أبقت منظمة الأوبك في تقريرها الشهري الأخير على توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط خلال العام 2026 دون تغيير عند 1.38 مليون برميل يومياً، مع توقع أن يصل إجمالي الطلب إلى 106.53 مليون برميل يومياً خلال العام. وفي المقابل، شهدت التقديرات تعديلات هامشية على المستوى الإقليمي، إذ تم خفض توقعات طلب الدول التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهو ما قابله بالكامل رفع تقديرات الطلب في الدول غير الأعضاء في المنظمة. ووفقاً لتقرير الأوبك، تم خفض توقعات الطلب في الولايات المتحدة للربعين الثاني والرابع من العام 2026 مقارنة بالتقرير السابق، كما تم خفض توقعات الطلب للدول التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في كل من أوروبا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ للنصف الأول من العام 2026 والربع الثاني من العام 2026.
وفي المقابل، تم رفع التوقعات لكل من الصين وأمريكا اللاتينية وأفريقيا وبقية دول آسيا، بينما تم خفض التوقعات لكل من الهند ومنطقة الشرق الأوسط على مستوى العام. من جهة أخرى، توقعت وكالة الطاقة الدولية انكماش الطلب العالمي على النفط خلال العام، إذ ترجح تراجع الطلب بنحو 80 ألف برميل يومياً، أي انخفاض يقارب 730 ألف برميل يومياً مقارنة بتقديراتها الصادرة الشهر السابق، في انعكاس لتأثيرات الحرب على الاقتصاد العالمي. وشهدت منطقة الشرق الأوسط أكبر خفض في التوقعات، إذ خفضت الوكالة تقديراتها للطلب بنحو 1.5 مليون برميل يومياً للربع الثاني من العام 2026، في أكبر تراجع منذ جائحة كوفيد-19. كما توقعت الوكالة امتداد تراجع الطلب إلى دول أخرى في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، لا سيما على منتجات النافثا وغاز البترول المسال ووقود الطائرات، مشيرة إلى أن تدمير الطلب سيتسع نتيجة نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار. ويظهر ذلك جلياً في أحدث البيانات المتعلقة بواردات الطاقة للصين، حيث أفادت بيانات وكالة بلومبرج بانخفاض واردات النفط الخام بنسبة 2.8 في المائة خلال شهر مارس 2026 لتبلغ 49.98 مليون طن. وعلى صعيد مصادر الإمدادات، تشير التقارير إلى تحول الصين من الاعتماد على منتجي الشرق الأوسط إلى منتجين في آسيا الوسطى، ولا سيما كازاخستان. كما تحولت واردات الهند بشكل متزايد نحو النفط الروسي، مستفيدة من إعفاءات الاستيراد من الولايات المتحدة، في حين استوردت البلاد أول شحنة نفط إيراني منذ سبع سنوات، قبل أن يؤثر إغلاق مضيق هرمز مجدداً على مشترياتها من النفط من منطقة الشرق الأوسط.

الطلب العالمي على النفط -2026/2027 – (مليون برميل يوميا)
كما أبقت منظمة الأوبك على توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط خلال العام 2027 دون تغيير عند 1.34 مليون برميل يومياً، مع توقع أن يصل إجمالي الطلب إلى 107.87 مليون برميل يومياً. وأظهرت التعديلات مجدداً خفض توقعات الطلب للدول التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والذي قابله ارتفاع تقديرات الطلب للدول غير الأعضاء بالمنظمة.
إمدادات النفط الخام
تراجع المعروض العالمي من النفط بشكل حاد في مارس 2026، مما عمق من انخفاضات الإمدادات المسجلة خلال الأشهر السابقة. وأظهرت بيانات وكالة الطاقة الدولية انخفاض الإمدادات العالمية بمقدار 10.1 مليون برميل يومياً لتصل إلى 97 مليون برميل يومياً في المتوسط، مدفوعة بتراجع الإنتاج لدى كل من الأوبك وحلفائها والمنتجين من خارج التحالف. وجاء انخفاض إنتاج الأوبك وحلفائها نتيجة استمرار الهجمات على البنية التحتية النفطية في منطقة الشرق الأوسط، مما أدى إلى تراجع الإنتاج بمقدار 9.4 مليون برميل يومياً ليبلغ في المتوسط 42.4 مليون برميل يومياً خلال الشهر. كما تراجعت إمدادات الدول غير الأعضاء في الأوبك وحلفائها بنحو 770 ألف برميل يومياً خلال شهر مارس 2026، نتيجة انخفاض الإنتاج في قطر، والذي فاق الزيادات المسجلة في كل من البرازيل والولايات المتحدة.

الإنتاج النفطي للدول غير المشاركة في ميثاق التعاون المشترك – 2026/2027 (مليون برميل يومياً)
أظهر التقرير الشهري لمنظمة الأوبك عدم حدوث تغيير في توقعات إمدادات السوائل النفطية من الدول غير المشاركة في ميثاق التعاون المشترك مقارنة بتقديرات الشهر السابق. ووفقاً للأوبك، من المتوقع أن تنمو إمدادات هذه الدول بنحو 0.63 مليون برميل يومياً خلال العام 2026 لتصل إلى 54.83 مليون برميل يومياً في المتوسط. وعلى المستوى الإقليمي، شهدت البيانات تعديلات طفيفة، حيث تم رفع تقديرات الإمدادات الخاصة بدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهو ما قابله خفض توقعات الإمدادات للدول غير الأعضاء في المنظمة. كما تم رفع توقعات الإمدادات من الولايات المتحدة للنصف الثاني من العام 2026، إلى جانب تعديل طفيف بالزيادة لإمدادات الدول الأوروبية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للنصف الأول من العام 2026. وفي المقابل، خفضت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية توقعاتها لإنتاج الولايات المتحدة بمقدار 0.1 مليون برميل يومياً ليبلغ 13.51 مليون برميل يومياً في أحدث تقاريرها. أما على صعيد الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فقد تم رفع توقعات الإمدادات لمنطقة أمريكا اللاتينية، وهو ما قابله خفض تقديرات الإمدادات لكل من الشرق الأوسط وأفريقيا. كما رفع التقرير توقعات نمو الإنتاج في البرازيل من 160 ألف برميل يومياً في التقرير السابق إلى 210 آلاف برميل يومياً، مع بلوغ متوسط الإنتاج 4.6 مليون برميل يومياً، بدعم من زيادة إنتاج عد مشاريع من ضمنها مشروع بوزيوس (فرانكو)، ومشروع ميرو (ليبرا الشمالي الغربي)، ومشروع مارليم، ومشروع باكالهاو (كاركارا سابقاً).
وبالنسبة للعام 2027، أبقت الأوبك على توقعاتها دون تغيير يذكر مقارنة بالشهر السابق، مع توقع نمو إنتاج الدول غير المشاركة في ميثاق التعاون المشترك بنحو 0.62 مليون برميل يومياً ليصل إلى 55.45 مليون برميل يومياً في المتوسط.

إنتاج الأوبك من النفط الخام
انخفض إنتاج النفط الخام لمنظمة الأوبك من أعلى مستوياته المسجلة في ثلاث سنوات ونصف في فبراير 2026 إلى أدنى مستوياته منذ حرب الخليج، مدفوعاً بتداعيات الصراع في الشرق الأوسط. إذ تراجع متوسط إنتاج المجموعة بنحو 7.56 مليون برميل يومياً خلال الشهر ليصل إلى نحو 22.05 مليون برميل يومياً، وفقاً للبيانات الصادرة عن وكالة بلومبرج. وعلى مستوى الدول الأعضاء،
سجل العراق أكبر انخفاض في الإنتاج بمقدار 2.8 مليون برميل يومياً ليبلغ متوسط إنتاجه 1.63 مليون برميل يومياً خلال شهر مارس 2026. كما انخفض إنتاج السعودية بأكثر من 2 مليون برميل يومياً، بواقع 2.07 مليون برميل يومياً ليصل إلى 8.36 مليون برميل يومياً، في حين تراجع إنتاج كل من الإمارات والكويت بنحو 1.44 مليون برميل يومياً و1.17 مليون برميل يومياً على التوالي. وأظهرت بيانات مصادر الأوبك الثانوية انخفاض الإنتاج بمعدل أعلى نسبياً بلغ 7.9 مليون برميل يومياً، ليصل متوسط الإنتاج إلى 20.79 مليون برميل يومياً خلال الشهر. وفي المقابل، كان تراجع إنتاج إيران أقل حدة مقارنة ببقية منتجي الشرق الأوسط، إذ انخفض بمقدار 0.18 مليون برميل يومياً ليبلغ 3.2 مليون برميل يومياً. في المقابل، كانت فنزويلا المنتج الوحيد داخل المجموعة الذي سجل زيادة ملحوظة في الإنتاج خلال الشهر، إذ ارتفع إنتاجها بنحو 100 ألف برميل يومياً ليصل إلى متوسط 1.08 مليون برميل يومياً وفق بيانات وكالة بلومبرج، بينما أشارت مصادر الأوبك الثانوية إلى زيادة أقل بلغت 79 ألف برميل يومياً ليصل متوسط الإنتاج إلى 988 ألف برميل يومياً.






































