من السيارة إلى تخزين الكهرباء .. لماذا تدخل مصر سباق البطاريات؟ سؤال يطرح حاليا وخلال هذا التقرير الذي تنشره منصة سوق المال يمكن القاء الضوء علي هذه الصناعه وابعادها .
لم تعد البطارية في الاقتصاد الحديث مجرد قطعة صغيرة داخل سيارة أو جهاز إلكتروني، بعدما تحولت إلى واحدة من أهم حلقات التحول العالمي نحو السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة وتخزين الكهرباء. ومن هنا جاءت خطوة مصر الأخيرة لبحث توطين صناعة البطاريات، في تحرك قد يفتح بابًا جديدًا أمام التصنيع والتصدير والطاقة في الوقت نفسه.
بدأت القصة في مصر بتوقيع مذكرة تفاهم بين مجموعة «منصور» وشركة «Tianneng Battery Group» الصينية، لبحث فرص التعاون والاستثمار في تصنيع البطاريات وحلول تخزين الطاقة داخل السوق المصرية. ولم تتوقف المذكرة عند نوع واحد من البطاريات، إذ شملت دراسة إنتاج بطاريات الرصاص الحمضية المستخدمة في السيارات، إلى جانب بطاريات الليثيوم المخصصة لمركبات الطاقة الجديدة.
لماذا تراهن مصر على البطارية في هذا التوقيت؟
كشفت الخطوة عن تغير مهم في طبيعة الصناعات التي تسعى مصر إلى توطينها، فالبطاريات أصبحت جزءًا من عدة قطاعات في وقت واحد، وليست صناعة منفصلة يمكن النظر إليها بمعزل عن السيارات والكهرباء والطاقة المتجددة والتخزين. ولذلك فإن إنشاء قاعدة محلية لإنتاج البطاريات يمكن أن يخدم أكثر من سوق في الوقت نفسه.
ارتبطت البطاريات كذلك بالتوسع العالمي في السيارات الكهربائية ومركبات الطاقة الجديدة، وهي سوق تتغير بسرعة مع اتجاه شركات صناعة السيارات إلى تقليل الاعتماد على محركات الوقود التقليدية وزيادة الاعتماد على تقنيات التخزين الكهربائي. وبالنسبة لمصر، فإن دخول هذه الصناعة مبكرًا نسبيًا قد يمنحها فرصة لبناء قاعدة صناعية قبل اتساع الطلب الإقليمي بصورة أكبر.
استندت الرؤية المصرية أيضًا إلى امتلاك البلاد موقعًا جغرافيًا مميزًا وشبكات نقل ولوجستيات ومناطق صناعية، وعلى رأسها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وهي عوامل يمكن أن تساعد أي مشروع بطاريات لا يستهدف السوق المحلية فقط وإنما يخطط للتصدير إلى أسواق أخرى. وأكد وزير الاستثمار والتجارة الخارجية محمد فريد أن هذه المقومات يمكن أن تدعم تلبية احتياجات السوق المحلية وزيادة الصادرات.
البطارية قد تصبح حلقة وصل بين صناعات مختلفة
أظهرت طبيعة التعاون المقترح أن الرهان لا يدور حول السيارات وحدها، إذ تتضمن المذكرة أيضًا حلول تخزين الطاقة، وهو قطاع تزداد أهميته كلما ارتفعت مساهمة مصادر الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء. فالطاقة الشمسية وطاقة الرياح لا تنتجان الكهرباء بالوتيرة نفسها طوال اليوم، ما يجعل التخزين عنصرًا مهمًا لتحقيق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك.
زاد هذا الأمر من أهمية البطاريات بالنسبة لمستقبل قطاع الكهرباء، لأن البطارية تستطيع تخزين الطاقة في فترات توافرها ثم إتاحتها عند ارتفاع الطلب أو انخفاض الإنتاج من بعض المصادر المتجددة. ومع توسع مشروعات الطاقة الشمسية والرياح، يتحول التخزين تدريجيًا من تقنية مساندة إلى جزء أساسي من منظومة الطاقة الحديثة.
دخلت مصر بالفعل مرحلة تنفيذ مشروعات لتخزين الكهرباء، إذ شهدت البلاد تشغيل أول مشروع تجاري لتخزين الطاقة في أسوان خلال يونيو 2025 بسعة تخزينية بلغت 300 ميجاوات/ساعة، بالتكامل مع محطة أبيدوس للطاقة الشمسية بقدرة 500 ميجاوات. كما جرى الإعلان عن مشروعات تخزين إضافية بسعة تصل إلى 1500 ميجاوات/ساعة.
من بطاريات السيارات إلى تخزين الكهرباء
وسّعت مذكرة التفاهم نطاق الفرصة أمام الصناعة المصرية، بعدما جمعت بين بطاريات السيارات التقليدية وبطاريات الليثيوم المستخدمة في مركبات الطاقة الجديدة وحلول تخزين الطاقة. ويعني ذلك أن المشروع المحتمل يمكن أن يخدم أكثر من قطاع بدلًا من الاعتماد على سوق واحدة.
امتلكت شركة Tianneng خبرة تمتد لنحو 40 عامًا في صناعة البطاريات، وتعمل في مجالات تشمل بطاريات السيارات ومعدات الحركة وإعادة تدوير البطاريات وحلول تخزين الطاقة. كما تمتلك الشركة تقنيات متعددة تشمل بطاريات الرصاص والليثيوم والصوديوم وبطاريات الحالة الصلبة، وفق بيانات وزارة الاستثمار.
أضافت خبرة الشركة الصينية عنصرًا آخر إلى الصفقة المحتملة، وهو نقل المعرفة والتكنولوجيا، إذ لا تحتاج مصر فقط إلى مصنع ينتج البطاريات، وإنما إلى بناء منظومة صناعية تستطيع تطوير المنتج وإنتاج مكوناته ورفع نسبة التصنيع المحلي تدريجيًا. وهنا تظهر القيمة الحقيقية لأي استثمار جديد في هذا القطاع.
هل تستطيع مصر تحويل البطاريات إلى صناعة تصديرية؟
فتحت الجغرافيا المصرية الباب أمام سيناريو يتجاوز إحلال البطاريات المستوردة بمنتج محلي، إذ يمكن أن يتحول المصنع مستقبلًا إلى قاعدة للتصدير إذا نجح في تحقيق أسعار وجودة ومواصفات تنافسية. وتزداد أهمية هذه الفرصة مع وجود أسواق قريبة في أفريقيا والشرق الأوسط، إلى جانب اتصال مصر بشبكات التجارة العالمية عبر قناة السويس.
ارتبط نجاح هذا السيناريو بقدرة المشروع على الوصول إلى حجم إنتاج مناسب، وتوفير مدخلات التصنيع محليًا، ورفع كفاءة العمالة، والالتزام بالمواصفات الدولية، لأن سوق البطاريات العالمية لا تعتمد فقط على انخفاض التكلفة وإنما على الأمان والكفاءة والعمر الافتراضي والقدرة على إعادة التدوير.
أصبح التصدير في هذه الحالة جزءًا من معادلة الصناعة منذ البداية، وليس مرحلة لاحقة، خصوصًا أن استراتيجية الدولة في الصناعات الجديدة تستهدف تعميق القيمة المضافة وزيادة القدرة على النفاذ إلى الأسواق الخارجية. وأكد وزير الاستثمار أن بطاريات الليثيوم ومكونات مركبات الطاقة الجديدة من القطاعات الواعدة ضمن استراتيجية تعميق التصنيع المحلي وتعزيز القدرات التصديرية.
«إعادة التدوير» قد تكون نصف القصة الغائبة
أضافت خبرة Tianneng في إعادة تدوير البطاريات زاوية أخرى تستحق الانتباه، لأن التوسع في صناعة البطاريات يخلق في المقابل حاجة إلى منظومة لإدارة البطاريات المستعملة واستعادة المواد القابلة لإعادة الاستخدام. وكلما زاد عدد السيارات الكهربائية ومشروعات التخزين، أصبح التعامل مع البطاريات بعد انتهاء عمرها التشغيلي جزءًا من الاقتصاد الجديد للطاقة.
تحولت إعادة التدوير عالميًا إلى صناعة قائمة بذاتها، لأنها تسمح باستعادة مواد من البطاريات بدل التخلص منها، كما يمكن أن تساعد على تقليل الاعتماد على استيراد بعض المواد الخام المستخدمة في تصنيع البطاريات الجديدة. ولذلك فإن نجاح مصر في بناء سلسلة تبدأ بالتصنيع وتنتهي بإعادة التدوير يمكن أن يرفع القيمة الاقتصادية للمشروع بصورة أكبر.
فرض هذا المسار ضرورة التفكير في الصناعة كمنظومة متكاملة، تبدأ بالمواد والمكونات، ثم تصنيع البطارية، ثم استخدامها في السيارات أو تخزين الكهرباء، وتنتهي بإعادة تدويرها واستعادة المواد القابلة للاستفادة. وهذا النوع من سلاسل القيمة هو الذي يحقق للدولة مكاسب أكبر من مجرد إنشاء خط إنتاج نهائي.
لماذا قد تكون قناة السويس نقطة قوة؟
ساعد وجود المنطقة الاقتصادية لقناة السويس على منح صناعة البطاريات المحتملة ميزة إضافية، خصوصًا أن طبيعة المنتج تجعل اللوجستيات وسرعة الوصول إلى الأسواق عاملين مهمين في اختيار موقع المصنع. وتضم المنطقة بنية صناعية وموانئ وشبكات نقل يمكن أن تخدم مراحل الإنتاج والتصدير في الوقت نفسه.
ارتبطت هذه الميزة كذلك بتوجه مصر لجذب استثمارات آسيوية وصينية إلى القطاعات الصناعية الجديدة، مع استخدام الموقع المصري كبوابة إلى الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية. وبالنسبة لشركة آسيوية تبحث عن قاعدة إنتاج خارج السوق الصينية، يمكن أن يمثل الموقع المصري فرصة للوصول إلى أكثر من سوق من نقطة واحدة.
بدأت الحكومة بالفعل في بحث المواقع المناسبة للمشروع، بينما تعمل الشركة الصينية على تقييم البدائل وتحديد المنتجات التي يمكن تصنيعها محليًا وإعداد دراسة الجدوى قبل اتخاذ خطوات التنفيذ. وهذا يعني أن المشروع لا يزال في مرحلة الدراسة، ولم يتحول بعد إلى استثمار نهائي أو مصنع قائم.
المعركة الحقيقية ليست في بناء المصنع
كشفت الخطوة المصرية أن التحدي الأكبر لن يكون في إنشاء مبنى أو تركيب خطوط إنتاج، وإنما في بناء صناعة قادرة على المنافسة بعد بدء التشغيل. فصناعة البطاريات تحتاج إلى استثمارات وتكنولوجيا ومهارات متخصصة وموردين محليين وأسواق قادرة على استيعاب الإنتاج.
احتاجت مصر كذلك إلى تطوير الصناعات المغذية المرتبطة بالبطاريات والسيارات الكهربائية، لأن استيراد معظم المكونات ثم تجميعها محليًا لن يحقق الهدف الكامل من توطين الصناعة. وكلما ارتفعت نسبة المكوّن المحلي، زادت القيمة التي تبقى داخل الاقتصاد المصري، واتسعت دائرة المستفيدين من الاستثمار.
امتدت التحديات إلى الطاقة والمواد الخام والمعايير البيئية، خصوصًا أن بعض أنواع البطاريات تتطلب منظومة دقيقة للتعامل مع المواد الكيميائية والتخزين والنقل وإعادة التدوير. ومن ثم فإن نجاح الصناعة يحتاج إلى تشريعات ومعايير واضحة بالتوازي مع الحوافز الاستثمارية.
خطوة واحدة قد تفتح سوقا أكبر
وضعت مذكرة التفاهم بين «منصور» وTianneng مصر أمام فرصة مختلفة عن الاستثمارات الصناعية التقليدية، لأن البطارية تقع في قلب أكثر من تحول اقتصادي يحدث في الوقت نفسه: السيارات الكهربائية، والطاقة المتجددة، وتخزين الكهرباء، والصناعات المغذية، وإعادة التدوير. ولذلك يمكن أن تكون قيمة المشروع المستقبلية أكبر من حجم المصنع نفسه إذا نجحت مصر في بناء سلسلة صناعية متكاملة حوله.
بدأت الكرة الآن في ملعب دراسات الجدوى واختيار الموقع وتحديد المنتجات، وهي المراحل التي ستكشف ما إذا كان التعاون سيتحول إلى مشروع صناعي فعلي وحجم الاستثمار والطاقة الإنتاجية ونسب التصنيع المحلي. لكن مجرد دخول البطاريات إلى قائمة الصناعات المستهدفة يكشف اتجاهًا أوسع في الاقتصاد المصري نحو صناعات ترتبط بمستقبل الطاقة والنقل وليس فقط باحتياجات السوق الحالية.
وقد يكون الرهان الأهم خلال السنوات المقبلة هو أن تنتقل مصر من استيراد البطارية إلى تصنيعها، ثم من تصنيعها إلى تصديرها، وبعدها إلى بناء صناعة كاملة حولها تشمل المكونات والتخزين وإعادة التدوير. وعند هذه النقطة فقط تتحول البطارية من منتج مستورد إلى فرصة جديدة لإضافة قيمة ودعم الصناعة والصادرات.










































