الثقة تعود في أدوات الدين المحلية، حيث ضخ المستثمرين الأجانب 264 مليار جنيه إضافية في أذون الخزانة ليقغز الاحتياطي الي 57.2 مليار دولار.
وكشف البنك المركزي المصري عن واحدة من أقوى إشارات عودة الثقة في أدوات الدين المحلية، بعدما ارتفعت أرصدة استثمارات الأجانب في أذون الخزانة إلى ما يعادل 2.713 تريليون جنيه بنهاية يونيو 2026، أي نحو 55.1 مليار دولار، مقابل 2.449 تريليون جنيه بنهاية ديسمبر 2025، بزيادة 264 مليار جنيه في 6 أشهر فقط.
الرقم لا يمثل مجرد زيادة محاسبية في دفتر الدين الحكومي، بل يمثل تصويتا مباشرا من صناديق عالمية ومؤسسات أجنبية على استقرار سعر الصرف ومسار الفائدة في مصر، في وقت وصل فيه صافي الاحتياطيات الدولية إلى مستوى تاريخي جديد عند 57.214 مليار دولار بنهاية أغسطس 2026.
قفزة 264 مليار جنيه في 6 أشهر.. من يشتري الدين المصري؟
بحسب البيانات الرسمية الصادرة صباح اليوم، ارتفع إجمالي الأرصدة القائمة من أذون الخزانة الحكومية إلى 6.427 تريليون جنيه بنهاية يونيو مقابل 5.752 تريليون جنيه في ديسمبر، أي أن الحكومة طرحت نحو 675 مليار جنيه أدوات جديدة، لكن حصة الأجانب وحدها استحوذت على نحو 40% من الزيادة.
التوزيع يكشف أن بنوك القطاع الخاص المحلية رفعت هي الأخرى استثماراتها إلى 1.182 تريليون جنيه مقابل 1.054 تريليون، وفروع البنوك الأجنبية إلى 76.2 مليار مقابل 66.5 مليار، بينما تراجعت حصة البنوك المتخصصة إلى 122 مليار. وهو ما يعني أن السوق لم يعد يعتمد على بنك أو فئة واحدة، بل أصبح هناك تنوع في قاعدة المشترين، وهو ما يقلل مخاطر خروج مفاجئ.
وتشير قراءة منصة سوق المال إلى أن متوسط العائد على أذون الخزانة لأجل 91 يوما استقر عند 24.5% وأجل 273 يوما عند 25.7% في آخر عطاءات سبتمبر، ومع ذلك شهدت طلبات الشراء إقبالا تجاوز 141 مليار جنيه على طرح 100 مليار فقط، أي أن المستثمر الأجنبي يقبل عائدا أقل نسبيا مقابل استقرار متوقع في الجنيه.
57.2 مليار دولار احتياطي.. كيف وصلنا للمستوى التاريخي؟
بالتوازي مع عودة الأجانب لأذون الخزانة، واصل الاحتياطي النقدي مساره الصاعد للشهر الـ48 على التوالي، ليصل إلى 57.214 مليار دولار في أغسطس مقابل 56.293 مليار في يوليو، بزيادة شهرية 921 مليون دولار.
الزيادة لم تأت من بند واحد. الذهب وحده قفزت قيمته 1.92 مليار دولار خلال أغسطس إلى 19.06 مليار دولار مع ارتفاع حيازة المركزي إلى 4.17 مليون أونصة، بينما دعمت تحويلات المصريين في الخارج التي سجلت رقما قياسيا 47.3 مليار دولار في العام المالي 2025-2026 مقابل 36.5 مليار في العام السابق، السيولة الدولارية بشكل مباشر.
الاحتياطي ارتفع 73% منذ قاع أغسطس 2022 عندما كان 33.1 مليار دولار، وأضاف 10.6 مليار دولار خلال عامين فقط من 46.6 مليار في أغسطس 2024. وهو ما يمنح البنك المركزي هامش أمان لتغطية أكثر من 8 أشهر واردات سلعية، ويعزز قدرته على مواجهة أي خروج مفاجئ للأموال الساخنة.
لماذا يعود الأجنبي الآن؟ 3 أسباب وراء الرقم
السبب الأول هو استقرار سعر الصرف. بعد تحرير مارس 2024 والإصلاحات مع صندوق النقد، لم يعد المستثمر يخشى تخفيضا مفاجئا يلتهم عائده بالدولار، ومع تثبيت الفائدة عند مستويات مرتفعة أصبح العائد الحقيقي موجبا.
السبب الثاني هو صفقة رأس الحكمة وبرنامج الطروحات. هذه التدفقات رفعت الاحتياطي وأعطت إشارة أن الدولة تملك أدوات لتوفير الدولار خارج الاقتراض، وهو ما انعكس في تقارير موديز وفيتش التي ثبتت التصنيف مع نظرة إيجابية.
السبب الثالث هو العائد نفسه. حتى مع خفض متوقع للفائدة عالميا، لا يزال عائد أذون الخزانة المصرية بالجنيه من أعلى العوائد في الأسواق الناشئة، ومع تحسن الجنيه مقابل الدولار منذ بداية العام، تحول العائد المحلي إلى عائد دولاري مغر للمحافظ التي تبحث عن carry trade.
هل الأموال الساخنة خطر؟ الفرق بين 2022 و2026
الخوف التقليدي من عودة الأجانب لأذون الخزانة هو تكرار سيناريو 2022 عندما خرج أكثر من 22 مليار دولار في أسابيع بعد الحرب الروسية الأوكرانية. لكن الوضع الحالي مختلف في 3 نقاط.
أولا، الاحتياطي الآن 57.2 مليار مقابل 33 مليار وقتها، أي أن قدرة المركزي على امتصاص الصدمة أكبر بنسبة 72%. ثانيا، جزء كبير من الاستثمارات الحالية مربوط بآجال 9 و12 شهرا وليس أذون 3 أشهر فقط، وهو ما يقلل سرعة الخروج. ثالثا، موارد الدولار الأساسية نفسها تحسنت، فالتحويلات وحدها 47.3 مليار تغطي أكثر من فاتورة استيراد القمح والوقود معا.
وتتابع منصة سوق المال أن التحدي الحقيقي ليس في دخول الأموال، بل في تحويلها من تمويل للعجز إلى تمويل للنمو. كل مليار دولار يدخل أذون الخزانة يوفر سيولة للموازنة، لكنه لا يخلق مصنعا أو وظيفة مباشرة، وبالتالي يبقى الرهان على أن تستخدم الحكومة هذه المساحة المالية لزيادة الإنفاق الاستثماري وتقليل تكلفة الدين تدريجيا بدلا من الاعتماد عليه كحل دائم.
الخلاصة أن رقم 2.713 تريليون جنيه ليس مجرد رقم في نشرة المركزي، بل مؤشر ثقة. إذا استمرت تحويلات المصريين فوق 40 مليار دولار، وظلت السياحة فوق 15 مليار، وحافظت الصادرات على نموها، فإن الأموال الساخنة تتحول من عبء إلى وسادة أمان إضافية للاحتياطي.










































