تقترب مصر من محطة مهمة في برنامج التعاون مع صندوق النقد الدولي، بعدما بدأت بعثة الصندوق مناقشات في القاهرة بشأن المراجعتين الأخيرتين لبرنامجي التمويل الممتد والاستدامة والمرونة، وسط ترقب لما ستسفر عنه المفاوضات قبل انتهاء البرنامج في 15 ديسمبر المقبل.
وتحمل هذه المرحلة أهمية تتجاوز الحصول على دفعة تمويلية جديدة، إذ ترتبط بتقييم مسار السياسات النقدية والمالية، ومدى التقدم في الإصلاحات الهيكلية التي تستهدف توسيع دور القطاع الخاص وتحسين مناخ الاستثمار، وهي ملفات سيكون لها تأثير مباشر على شكل العلاقة الاقتصادية بين مصر والمؤسسات الدولية خلال المرحلة المقبلة.
وبحسب تصريحات جولي كوزاك، مديرة إدارة الاتصالات بصندوق النقد الدولي، فإن المناقشات الجارية تستهدف التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء، تمهيدا لعرض نتائج المراجعتين على المجلس التنفيذي للصندوق قبل الموعد المحدد لانتهاء البرنامج.
شريحة تمويل أخيرة تقترب من 2.33 مليار دولار
وتتجه الأنظار إلى المبلغ المنتظر صرفه بعد استكمال المراجعة الأخيرة ضمن اتفاق التمويل الممتد، إذ قدرت كوزاك قيمة الدفعة النهائية المنتظرة بنحو 2.33 مليار دولار.
لكن الحصول على هذه الأموال لا يرتبط بمجرد انتهاء الاجتماعات في القاهرة، حيث يتطلب الأمر التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء، ثم استكمال الإجراءات اللازمة وعرض نتائج المراجعة على المجلس التنفيذي للصندوق لاتخاذ القرار النهائي.
ويعني ذلك أن التمويل المرتقب يظل مرتبطا باستيفاء متطلبات المراجعة واعتمادها، وليس مبلغا أصبح متاحا بالفعل للحكومة المصرية.
السياسة النقدية وضبط الموازنة في مقدمة المناقشات
وتتركز المناقشات بين بعثة الصندوق والمسؤولين المصريين على الحفاظ على سياسة نقدية تستهدف احتواء التضخم وترسيخ استقرار الأسعار، بالتوازي مع استمرار جهود ضبط أوضاع المالية العامة وتعزيز قدرة الدولة على إدارة التزاماتها.
وتأتي هذه المباحثات بعد قرار البنك المركزي المصري في 29 أكتوبر رفع أسعار الفائدة الأساسية بمقدار 100 نقطة أساس، لتصل إلى 20% للإيداع و21% للإقراض، في خطوة تستهدف التعامل مع الضغوط الاقتصادية ومخاطر ارتفاع الأسعار.
كما تمثل زيادة الإيرادات المحلية وتقوية الحصيلة الضريبية أحد الملفات المهمة في النقاشات، باعتبارها وسيلة لتقليل الضغوط على الموازنة العامة وتعزيز قدرتها على مواجهة الالتزامات المالية.
تقليص دور الدولة يظل اختبارا رئيسيا للإصلاحات
ولا تتوقف مطالب الصندوق عند المؤشرات النقدية والمالية، إذ تظل الإصلاحات الهيكلية حاضرة بقوة في المفاوضات، خصوصا ما يتعلق بزيادة مساحة مشاركة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.
وتشمل الملفات المطروحة تسريع برنامج التخارج من بعض الأصول المملوكة للدولة، وتطبيق وثيقة سياسة ملكية الدولة، وتحسين إدارة الشركات التابعة للدولة، إلى جانب تعزيز المنافسة بين الشركات الحكومية والخاصة وتطوير بيئة الأعمال.
وتستهدف هذه الإجراءات، وفق توجهات الصندوق المعلنة، تهيئة مساحة أكبر أمام الشركات الخاصة للتوسع والاستثمار وخلق فرص العمل، بدلا من استمرار اعتماد النشاط الاقتصادي على الدور المباشر للدولة في قطاعات واسعة.
ولم يعلن الصندوق حتى الآن قائمة نهائية بالخطوات المحددة التي يتعين استكمالها قبل اعتماد المراجعتين، وهو ما يجعل نتائج المباحثات المقبلة عاملا حاسما في تحديد توقيت الوصول إلى الاتفاق.
ماذا تعني المراجعة الأخيرة للاقتصاد المصري؟
وتكتسب المراجعة أهمية من ارتباطها بمرحلة ما بعد انتهاء البرنامج الحالي، إذ سيكون على الحكومة التعامل مع استحقاقات الإصلاح الاقتصادي والحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي، بالتوازي مع جذب استثمارات جديدة وزيادة مساهمة الإنتاج والتصدير في النمو.
ومن هذا المنطلق، فإن قيمة التمويل المنتظر لا تمثل المؤشر الوحيد لنجاح المفاوضات؛ فالتقدم في الإصلاحات المرتبطة بمناخ الاستثمار والمنافسة ودور القطاع الخاص سيحدد أيضا قدرة الاقتصاد على جذب رؤوس الأموال وتحقيق نمو أكثر استدامة.
وتتابع منصة سوق المال تطورات المراجعتين باعتبارهما من الملفات المؤثرة في مسار التمويل الخارجي والسياسات الاقتصادية، خاصة أن المرحلة المقبلة ستكشف مدى قدرة الاقتصاد المصري على الانتقال من الاعتماد على برامج التمويل إلى تعزيز مصادر النمو والاستثمار والإنتاج.








































