أكد الدكتور مصطفى رشيد، الخبير الاقتصادي الدولى ، أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية يمكن إضافتها إلى أدوات العمل الدبلوماسي ، وإنما أصبح عاملا استراتيجيا يفرض إعادة هندسة منظومة صناعة القرار والسياسة الخارجية.
مشددا على أن التحدي أمام الدول العربية لم يعد يتمثل في امتلاك المعلومات، وإنما في القدرة على تحويلها إلى معرفة، والمعرفة إلى خيارات، والخيارات إلى قرارات قادرة على استباق الأحداث وصناعة التأثير.
جاء ذلك خلال حوار خاص للدكتور مصطفى رشيد ضمن برنامج «الفترة المفتوحة بلا حدود»، الذي تقدمه إذاعة الثقافية – ماسبيرو FM، الثلاثاء 11 أغسطس 2026، تحت عنوان «الدبلوماسية الرقمية وأدوات السياسة الخارجية»، تناول ستة محاور رئيسية حول مستقبل الدبلوماسية العربية في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
إعادة هندسة صناعة القرار الخارجي العربي
أوضح الدكتور مصطفى رشيد أن إعادة هندسة السياسة الخارجية العربية لا تعني مجرد رقمنة وزارات الخارجية، وإنما تستهدف تغيير الطريقة التي يتم من خلالها إنتاج المعلومات وتحليلها وبناء التقدير السياسي وتحويله إلى قرار.
وأشار إلى أن صانع القرار أصبح أمام تدفقات هائلة من البيانات السياسية والاقتصادية والأمنية والإعلامية والرقمية، وهو ما يجعل القدرة على فرز المعلومات واكتشاف الاتجاهات واستشراف المستقبل أهم من مجرد الحصول عليها.
حدد خمس أولويات لإعادة هندسة صناعة القرار الخارجي العربي هي:
اولا : الانتقال من دبلوماسية رد الفعل إلى الدبلوماسية الاستباقية .
ثانياً: بناء منظومات عربية للتحليل الاستراتيجي والبيانات .
ثالثا : تحويل السفارات إلى مراكز للمعرفة والتحليل . رابعا : تطوير آليات عربية مشتركة للإنذار المبكر وصناعة القرار .
خامسا : وضع إطار عربي لحوكمة استخدام الذكاء الاصطناعي في السياسة الخارجية.
أكد أن القاعدة الأساسية يجب أن تكون:
«الذكاء الاصطناعي يقترح ويحذر ويتنبأ، لكن الإنسان يقرر ويتحمل المسؤولية».
«الدبلوماسية المعززة بالذكاء الاصطناعي».. النموذج الجديد
وحول إمكانية تحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة لصناعة القرار الدبلوماسي، أكد رشيد أن المستقبل يتجه إلى نموذج جديد يمكن وصفه بـ «الدبلوماسية المعززة بالذكاء الاصطناعي».
وأوضح أن الذكاء الاصطناعي يستطيع تحليل كميات هائلة من المعلومات ورصد التحولات السياسية والإعلامية والاقتصادية، واكتشاف مؤشرات الأزمات، وبناء سيناريوهات متعددة أمام صانع القرار، بما يسمح بالانتقال من تحليل ما حدث إلى استشراف ما يمكن أن يحدث.
لكنه شدد على أن القرار الدبلوماسي يظل قرارا إنسانيا وسياديا، يرتبط بالقانون الدولي والمصالح الوطنية والاعتبارات السياسية والتاريخية والأخلاقية، ولذلك فإن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون شريكاً معرفياً لصانع القرار وليس بديلاً عنه.
الدبلوماسية لم تعد حكومة أمام حكومة
وأشار رشيد إلى أن مفهوم الدبلوماسية يشهد تحولا واسعا من الدبلوماسية السياسية التقليدية إلى ما يمكن وصفه بـ «الدبلوماسية الوطنية الشاملة»، التي تمتد إلى الاستثمار والسياحة والثقافة والتعليم والنقل واللوجستيات والتكنولوجيا والخدمات القنصلية.
وأوضح أن السفارة الحديثة لم تعد مجرد قناة اتصال بين حكومتين، وإنما يمكن أن تصبح منصة متكاملة للدولة؛ سياسية للتواصل، واقتصادية لجذب الاستثمار، وسياحية للترويج، وثقافية لبناء القوة الناعمة، وقنصلية لخدمة المواطنين، ومعلوماتية لفهم المجتمع والدولة المضيفة.
وأكد أن الموانئ والممرات التجارية والنقل وسلاسل الإمداد أصبحت أيضا مكونات مهمة في القوة الاقتصادية والجيوسياسية للدول، وهو ما يجعل الدبلوماسية اللوجستية والاقتصادية جزءاً متزايد الأهمية من أدوات السياسة الخارجية الحديثة.
الاستراتيجية العربية للدبلوماسية الرقمية 2027–2035
وحول مقترح الاستراتيجية العربية للدبلوماسية الرقمية 2027–2035، أكد الدكتور مصطفى رشيد أن الخطر الأكبر على أي استراتيجية عربية ليس ضعف الأفكار، وإنما تحولها إلى وثيقة توصيات لا تنتقل إلى التنفيذ.
واقترح أن تبدأ الاستراتيجية بإنشاء منصة عربية للدبلوماسية الرقمية والذكاء الاستراتيجي تحت مظلة جامعة الدول العربية، تعمل كمنظومة للمعرفة والتحليل والإنذار المبكر والتنسيق وبناء القدرات، وتربط وزارات الخارجية والمؤسسات الوطنية المعنية بالاقتصاد والاستثمار والسياحة والثقافة والنقل والتحول الرقمي.
وشدد على ضرورة أن يرتبط كل هدف استراتيجي بـ:
جهة مسؤولة – جدول زمني – مؤشر أداء – ومصدر تمويل.
كما دعا إلى إطلاق مشروعات عربية تجريبية قبل عام 2027، بحيث تبدأ الاستراتيجية بالتطبيق والقياس وليس بالوثيقة فقط.
«التكامل لا التوحيد».. مدخل واقعي للعمل العربي الرقمي
أكد رشيد أن اختلاف الأولويات ومستويات التحول الرقمي بين الدول العربية لا ينبغي أن يمثل عائقاً أمام التعاون، مشيراً إلى أن المطلوب ليس توحيد الأنظمة الوطنية، وإنما بناء تكامل رقمي عربي تدريجي.
واقترح البدء بملفات ذات مصالح مشتركة، وفي مقدمتها:
1- الخدمات القنصلية الرقمية.
2- الاستثمار والسياحة.
3- النقل واللوجستيات وسلاسل الإمداد.
4- الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
5- الإنذار المبكر وإدارة الأزمات.
كما طرح مفهوم «ائتلاف الراغبين»، بحيث تبدأ مجموعة من الدول القادرة والراغبة في تنفيذ مشروعات محددة، ثم تتوسع المشاركة تدريجياً.
وأكد أن جامعة الدول العربية يمكن أن تقوم بدور المظلة المؤسسية والمنسق وواضع المعايير المشتركة، مع بقاء التنفيذ الوطني في يد كل دولة.
التحدي الأخطر: ألا تتحول الدبلوماسية الرقمية إلى «مصنع محتوى»
وفي أبرز محاور الحوار، حذر الدكتور مصطفى رشيد من أن قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج كميات ضخمة من المحتوى قد تدفع الدبلوماسية الرقمية إلى سباق في كثافة النشر بدلاً من سباق في صناعة التأثير.
وقال إن ملايين المشاهدات والإعجابات لا تعني بالضرورة نجاحا دبلوماسيا، موضحا أن المعيار الحقيقي هو: هل تغير موقف؟ هل بنيت ثقة؟ هل تم جذب استثمار؟ هل فتحت شراكة؟ هل تم تصحيح صورة ذهنية؟ وهل ساهم المحتوى في إدارة أزمة؟
ودعا إلى الانتقال من:
Content Production – صناعة المحتوى
إلى:
Impact Production – صناعة التأثير.
وأوضح أن الذكاء الاصطناعي يجب ألا يستخدم فقط لإنتاج المزيد من المنشورات، وإنما لتحديد الجمهور المناسب، والرسالة المناسبة، والتوقيت المناسب، والقناة الأكثر تأثيراً.
وطرح مسارا واضحا لصناعة التأثير الدبلوماسي:
محتوى → اهتمام → تفاعل → علاقة → فرصة → نتيجة.
وأكد أهمية إنشاء منظومات عربية لقياس الأثر الدبلوماسي الرقمي، تتجاوز مؤشرات المشاهدات والإعجابات إلى قياس الثقة، وتغير اتجاهات الرأي العام، وبناء الشراكات، وجذب الاستثمارات، وزيادة الاهتمام السياحي، وتحقيق الأهداف السياسية والتنموية.
رؤية استراتيجية جديدة للدبلوماسية العربية
واختتم الدكتور مصطفى رشيد الحوار بالتأكيد على أن الذكاء الاصطناعي يفتح أمام العالم العربي فرصة تاريخية لإعادة تعريف أدوات القوة والتأثير في البيئة الدولية.
مشيرا إلى أن الرهان الحقيقي خلال المرحلة المقبلة لا ينبغي أن يكون على كمية المحتوى الذي تنتجه المؤسسات الدبلوماسية، وإنما على قدرتها على تحويل البيانات إلى معرفة، والمعرفة إلى قرار، والقرار إلى تأثير، والتأثير إلى شراكات ومصالح ونتائج قابلة للقياس.
وأكد أن الدبلوماسية العربية مطالبة بالانتقال تدريجيا من نموذج يقوم على إدارة الأحداث بعد وقوعها إلى نموذج أكثر استباقية يقوم على استشراف الأحداث، وصناعة الفرص، وبناء الثقة، وإدارة الصورة الدولية للدولة، وتعزيز المصالح الوطنية والعربية المشتركة.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة تستدعي بناء منظومة عربية متكاملة تجمع بين الذكاء الاصطناعي والبيانات والإنذار المبكر والدبلوماسية الاقتصادية والثقافية والرقمية والقدرات البشرية والحوكمة وقياس الأثر.
وبذلك، فإن الهدف النهائي ليس بناء دبلوماسية عربية «أكثر رقمية» فحسب، وإنما بناء دبلوماسية عربية أكثر ذكاءً، واستباقا، وتنسيقا، وتأثيرا .
الدبلوماسية العربية الذكية.. من التكنولوجيا إلى التأثير
يقدم الحوار رؤية تتجاوز التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره ملفا تكنولوجيا منفصلا، لتضعه في قلب عملية إعادة بناء أدوات السياسة الخارجية العربية، بما يجعل التحول الرقمي مدخلاً لتعزيز القرار السيادي، وتطوير العمل العربي المشترك، وبناء القدرة على استشراف المخاطر، وصناعة الفرص، وتعزيز الحضور العربي في النظام الدولي.
فالغاية ليست أن تنتج الدبلوماسية العربية محتوى أكثر، وإنما أن تحقق تأثيرا أكبر. وليست أن تجمع معلومات أكثر، وإنما أن تفهم العالم بصورة أفضل. وليست أن تتحرك أسرع فقط، وإنما أن تتحرك في الاتجاه الصحيح وفي التوقيت الصحيح.
وهنا، وفقا للرؤية المطروحة في الحوار، يبدأ الانتقال الحقيقي إلى مفهوم «الدبلوماسية العربية الذكية المؤثرة».










































