لم يعد الرهان المصري في قطاع التعدين مقتصرًا على طرح مناطق جديدة للبحث عن الذهب والمعادن، بعدما بدأت شركات أجنبية تبدي اهتمامًا مباشرًا بالفرص المتاحة في السوق، بالتزامن مع تغييرات تنظيمية تستهدف تسريع الإجراءات ورفع جاذبية الاستثمار.
وبرز هذا التوجه مجددًا بعد مباحثات وزارة البترول والثروة المعدنية مع شركة «فيلوكس إنرجي ماتيريالز» الأسترالية، التي أبدت اهتمامًا بالدخول إلى السوق المصرية والتقدم للحصول على مناطق تعدينية، خاصة ضمن المناطق المفتوحة في نطاق الدرع العربي النوبي.
وتطرح هذه التحركات سؤالًا اقتصاديًا يتجاوز مجرد البحث عن الذهب: هل تستطيع مصر تحويل ثرواتها التعدينية إلى استثمارات وإنتاج وصادرات وقيمة مضافة، أم تظل الفرص مرتبطة بمرحلة الاستكشاف فقط؟
شركات أجنبية تعود للسوق وتبحث عن فرص جديدة
أظهرت تحركات المستثمرين خلال الأشهر الأخيرة اهتمامًا متزايدًا بقطاع التعدين المصري، مع دخول شركات أجنبية على خط البحث عن فرص جديدة، في وقت تعمل فيه الحكومة على إعادة تنظيم القطاع وتطوير آليات طرح المناطق التعدينية.
وأعلنت شركة «فيلوكس إنرجي ماتيريالز» الأسترالية، خلال مباحثاتها مع وزير البترول والثروة المعدنية، رغبتها في التقدم للحصول على مناطق للعمل في مصر، مشيرة إلى أن فريقها الجيولوجي يرى فرصًا واعدة في المناطق المتاحة، خاصة ضمن المناطق المفتوحة بالدرع العربي النوبي.
وتكتسب الخطوة أهمية إضافية لأنها تأتي في إطار توجه أوسع لزيادة قاعدة المستثمرين في قطاع التعدين، بدلًا من الاعتماد على عدد محدود من الشركات والمشروعات القائمة.
وكانت وزارة البترول قد بحثت في يونيو الماضي مع شركة «FMC» القبرصية استئناف نشاطها في البحث عن الذهب والمعادن بالصحراء الشرقية، حيث أعلنت الشركة اعتزامها تنفيذ برنامج عمل واستثمارات تقترب من 20 مليون دولار خلال العامين إلى الثلاثة أعوام المقبلة.
لماذا أصبح قطاع التعدين أكثر جذبًا للمستثمرين؟
دفعت الإصلاحات التي شهدها قطاع التعدين خلال الفترة الأخيرة إلى تغيير طريقة التعامل مع الفرص الاستثمارية، من خلال تطوير دور هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية، وتطبيق نظام الشباك الواحد، والعمل على تقليص دورة الحصول على الموافقات والتراخيص إلى نحو 75 يومًا.
وأطلقت الوزارة كذلك نظام «المناطق التعدينية المفتوحة»، الذي يسمح للمستثمرين بالاطلاع على الفرص المتاحة والتقدم إليها إلكترونيًا وفق إجراءات وجداول زمنية محددة، وهو ما يستهدف تقليل الوقت اللازم للوصول إلى الفرص الاستثمارية وتحسين مستوى الشفافية.
وأظهرت مؤشرات مبكرة أعلنتها وزارة البترول في يوليو اهتمام شركات مصرية ودولية بالفرص المطروحة وفق نظام القطاعات المفتوحة، معتبرة أن الإصلاحات التشريعية والمؤسسية ساعدت في تحسين جاذبية القطاع.
الذهب يمثل البداية وليس نهاية القصة
امتلكت مصر وفق بيانات وزارة البترول نحو 7.3 مليون أوقية من احتياطيات الذهب، بينما بلغ إنتاج الذهب قرابة 560 ألف أوقية في السنة المالية 2023/2024، مع استهداف الوصول بالإنتاج إلى 800 ألف أوقية بحلول عام 2030.
ولا تقتصر الثروة التعدينية المصرية على الذهب، إذ تشمل موارد أخرى مثل الفوسفات والنحاس والفضة والزنك والبلاتين وخامات معدنية متنوعة، وهو ما يوسع نطاق الفرص أمام المستثمرين إذا نجحت الدولة في تطوير عمليات البحث والاستكشاف والإنتاج.
وتشير هذه الأرقام إلى وجود فجوة بين حجم الموارد المتاحة ومستوى مساهمة التعدين في الاقتصاد، وهو ما يفسر تركيز الحكومة على زيادة الاستثمارات والإنتاج بدلًا من الاكتفاء بطرح مناطق جديدة للاستكشاف.
مصر تستهدف مضاعفة مساهمة التعدين في الاقتصاد
استهدفت وزارة البترول رفع مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي إلى 5% بحلول عام 2030، مقارنة بأقل من 1% حاليًا، بالتوازي مع زيادة إنتاج الذهب والخامات المعدنية.
ويعني تحقيق هذا المستهدف أن القطاع يحتاج إلى الانتقال من نموذج استخراج الخام وبيعه إلى نموذج أكثر تكاملًا، يعتمد على التصنيع والمعالجة وإنتاج منتجات ذات قيمة اقتصادية أعلى داخل مصر.
وأكدت وزارة البترول في أغسطس أن تعظيم القيمة المضافة للخامات التعدينية يمثل محورًا رئيسيًا في استراتيجية القطاع، مع تنفيذ ودراسة مشروعات تستهدف تحويل خامات مثل الفوسفات إلى أسمدة وحمض الفوسفوريك ومنتجات صناعية ذات قيمة أعلى.
ماذا يمكن أن تكسب مصر من دخول الشركات العالمية؟
يمكن أن يؤدي توسع الشركات الأجنبية في البحث والاستكشاف إلى ضخ استثمارات جديدة في مناطق التعدين، إلى جانب الاستفادة من الخبرات الفنية والتكنولوجيا الحديثة المستخدمة في عمليات المسح الجيولوجي والحفر وتحليل الخامات.
وتزداد أهمية هذه الاستثمارات عندما تنتقل المشروعات من مرحلة البحث إلى الاكتشاف ثم الإنتاج، لأن القيمة الاقتصادية لا تتحقق بالكامل بمجرد حصول شركة على منطقة استكشاف، وإنما تظهر مع نجاح المشروع في إثبات وجود احتياطي اقتصادي وتطويره وتشغيله.
ويمكن أن ينعكس توسع النشاط التعدينى كذلك على قطاعات أخرى مرتبطة به، مثل خدمات النقل والمعدات والطاقة والخدمات الهندسية، فضلًا عن فرص العمل التي تنشأ حول مشروعات الاستكشاف والإنتاج.
التحدي الحقيقي يبدأ بعد الحصول على المناطق
لا يعني ارتفاع اهتمام المستثمرين أن مصر ضمنت تلقائيًا زيادة إنتاج الذهب أو ارتفاع مساهمة التعدين في الاقتصاد، إذ تظل عمليات الاستكشاف عالية المخاطر وتحتاج إلى إنفاق مستمر قبل الوصول إلى أي اكتشاف تجاري.
وتتوقف جدوى أي مشروع تعدين على عوامل متعددة، من بينها حجم الاحتياطي، وتركيز الخام، وتكاليف الاستخراج والمعالجة، والبنية الأساسية، وأسعار المعادن عالميًا، وقدرة الشركة على تمويل المشروع لفترة طويلة.
ولهذا فإن نجاح نظام المناطق المفتوحة سيقاس في النهاية بعدد المشروعات التي تنتقل من مرحلة الحصول على المناطق إلى عمليات حفر واكتشاف وإنتاج، وليس بعدد الطلبات المقدمة أو الشركات المهتمة فقط.
من «ثروة تحت الأرض» إلى صناعة فوق الأرض
تضع التحركات الجديدة قطاع التعدين المصري أمام مرحلة مختلفة، فوجود شركات أجنبية تبدي اهتمامًا بالمناطق المتاحة يمثل مؤشرًا إيجابيًا، لكنه في الوقت نفسه يرفع سقف التوقعات بشأن قدرة القطاع على تحويل هذه الفرص إلى إنتاج حقيقي.
وتملك مصر بالفعل قاعدة كبيرة من الموارد التعدينية، لكن التحدي الاقتصادي يتمثل في تعظيم العائد منها، سواء عبر زيادة الإنتاج أو جذب استثمارات جديدة أو تطوير الصناعات المرتبطة بالخامات.
ويبدو أن الاتجاه الحالي يتجاوز فكرة البحث عن الذهب باعتباره معدنًا ثمينًا فقط، إلى بناء قطاع تعدين أكثر اتساعًا، يستهدف جذب رؤوس الأموال والتكنولوجيا والخبرات، ثم تحويل الموارد الطبيعية إلى إنتاج وصناعة وقيمة مضافة.
وبينما تستعد شركات جديدة لدراسة فرص الدخول إلى السوق المصرية، ستكون السنوات المقبلة اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الإصلاحات الجديدة على تحقيق المستهدف الأكبر: تحويل التعدين من قطاع محدود المساهمة إلى أحد روافد الاستثمار والإنتاج والنمو الاقتصادي في مصر.










































