دخلت شركة «إنرجين» اليونانية في مفاوضات حصرية للاستحواذ على جزء من أصول شركة «BP» في قطاع النفط والغاز المصري، في صفقة قد تصل قيمتها إلى نحو مليار دولار، وفق مصادر مطلعة نقلت عنها رويترز، لتفتح المفاوضات الباب أمام تحول جديد في خريطة استثمارات الطاقة داخل السوق المصرية.
وشملت المفاوضات، بحسب المصادر، حصص «BP» في أصول منتجة بمنطقة غرب دلتا النيل البحرية، إلى جانب حصة الشركة البريطانية البالغة 50% في امتياز «تمساح» بالبحر المتوسط، بينما لم تعلن الشركتان إتمام الصفقة أو قيمتها النهائية حتى الآن.
ولا تكمن أهمية التحرك في قيمته المالية المحتملة فقط، وإنما في توقيته أيضًا، إذ يأتي بينما تعمل مصر على زيادة أنشطة البحث والاستكشاف والإنتاج، في الوقت الذي تعيد فيه شركات الطاقة العالمية ترتيب محافظها الاستثمارية واختيار الأصول التي تتناسب مع خططها المستقبلية.
مفاوضات بمليار دولار تضع أصول الغاز المصرية في الواجهة
كشفت مصادر مطلعة أن «إنرجين» تجري مفاوضات حصرية مع «BP» لشراء مجموعة من أصول النفط والغاز في مصر، في عملية يمكن أن توفر للشركة البريطانية نحو مليار دولار حال إتمامها.
وضمت الأصول المستهدفة حصص «BP» في مناطق منتجة بغرب دلتا النيل، التي تعمل فيها الشركة بالشراكة مع «Harbour Energy»، بالإضافة إلى حصة الشركة البريطانية في امتياز «تمساح» بالبحر المتوسط.
واختلفت هذه الصفقة المحتملة عن استثمارات البحث والاستكشاف الجديدة، لأنها تتعلق بأصول قائمة أو مرتبطة بمشروعات إنتاجية، ما يعني أن المشتري المحتمل لا يبدأ من نقطة الصفر، وإنما يحصل على حصص في مشروعات تمتلك بنية أساسية وخبرات تشغيلية وإمكانات إنتاج.
ورفضت «BP» و«إنرجين» التعليق على المفاوضات، وهو ما يؤكد أن العملية لا تزال في مرحلة التفاوض، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها اتفاقًا نهائيًا قبل صدور إعلان رسمي من الأطراف المعنية.
إنرجين لم تبدأ اهتمامها بمصر مع صفقة BP
تحركت «إنرجين» خلال الفترة الأخيرة لتعزيز وجودها في شرق المتوسط، ولم يظهر اهتمامها بالسوق المصرية للمرة الأولى مع مفاوضات شراء أصول «BP».
وبحث وزير البترول والثروة المعدنية في 21 أغسطس مع الرئيس التنفيذي لشركة «إنرجين» خطط الشركة للتوسع في أنشطة البحث والاستكشاف وإنتاج الغاز الطبيعي بالبحر المتوسط، إلى جانب فرص زيادة أعمالها في مصر خلال الفترة المقبلة.
وأظهر هذا التحرك أن الشركة كانت تدرس بالفعل فرصًا إضافية داخل السوق المصرية، بما يجعل الاستحواذ المحتمل على أصول قائمة امتدادًا لمنظومة توسع أوسع، وليس خطوة منفصلة عن استراتيجيتها في المنطقة.
ويمنح شراء أصول منتجة، إذا اكتملت الصفقة، «إنرجين» فرصة لزيادة حجم أعمالها بصورة أسرع من الاعتماد على مشروعات الاستكشاف وحدها، خصوصًا مع وجود بنية أساسية قائمة يمكن البناء عليها.
اكتشاف جديد يعزز جاذبية أصول تمساح
اكتسب امتياز «تمساح» أهمية إضافية بعد إعلان شركة «إيني» اكتشافًا للغاز في البئر «Denise West»، تقدر موارده بنحو تريليوني قدم مكعبة من الغاز، وفق ما نقلته رويترز.
وأصبح الاكتشاف أحد العوامل التي تزيد أهمية المنطقة من الناحية الاستثمارية، خصوصًا أن تقييم أصول الطاقة لا يعتمد فقط على الإنتاج القائم، وإنما يشمل أيضًا إمكانات النمو والاكتشافات المستقبلية.
وتساعد البنية الأساسية الموجودة في مناطق إنتاج الغاز على تقليل الوقت والتكلفة اللازمين لتطوير الاكتشافات الجديدة، مقارنة بالمشروعات التي تحتاج إلى إنشاء مرافق جديدة بالكامل قبل بدء الإنتاج.
ولا يعني ذلك أن الاكتشاف وحده يحسم قيمة الصفقة أو يرفع سعر الأصول بصورة مؤكدة، إذ تظل القيمة النهائية مرتبطة بتفاصيل الاتفاق وبرامج الإنتاج والتطوير والاحتياطيات القابلة للاستخراج.
BP تعيد ترتيب محفظتها الاستثمارية في مصر
جاءت المفاوضات في إطار توجه أوسع لدى «BP» لإعادة ترتيب محفظتها الاستثمارية وخفض الديون والتكاليف، بعدما تجاوزت استثمارات الشركة في مصر 35 مليار دولار على مدار نحو ستة عقود.
وأظهرت بيانات نقلتها رويترز أن إنتاج «BP» من الغاز في مصر بلغ نحو 518 مليون قدم مكعبة يوميًا خلال العام الماضي، بانخفاض يقارب 40% مقارنة بعام 2024 ونحو 60% مقارنة بعام 2023.
ولم تعنِ هذه التطورات انسحاب «BP» الكامل من السوق المصرية، إذ تشير المصادر إلى احتفاظ الشركة بأصول من خلال مشروع «Arcius» المشترك مع «XRG» الإماراتية، بما في ذلك حقل «ظهر».
وكشفت عملية إعادة ترتيب الأصول عن تحول في طريقة إدارة شركات الطاقة الكبرى لاستثماراتها، حيث أصبح بيع بعض الأصول وإعادة توجيه رأس المال نحو مشروعات أخرى جزءًا من استراتيجية تهدف إلى رفع كفاءة الإنفاق والتركيز على الاستثمارات ذات العائد الأعلى.
إنرجين تفوقت على منافسين في سباق أصول BP
لم تكن «إنرجين» الشركة الوحيدة المهتمة بأصول «BP» في مصر، إذ أظهرت تقارير سابقة أن عددًا من الشركات أبدت اهتمامًا بهذه الأصول، من بينها «Dragon Oil» و«Carlyle» و«Artemis Energy».
وأصبحت المفاوضات الحصرية مع «إنرجين» تطورًا لافتًا في مسار المنافسة على الأصول، رغم أن الوصول إلى مرحلة المفاوضات الحصرية لا يعني بالضرورة إتمام الصفقة في صورتها النهائية.
ويعكس دخول أكثر من شركة على خط الصفقة وجود اهتمام بالأصول المصرية، خصوصًا تلك المرتبطة بالإنتاج والبنية الأساسية القائمة، وهو ما يختلف عن الاستثمار في مناطق الاستكشاف الجديدة التي تحمل درجة أعلى من المخاطر.
ويظل السؤال الأهم في هذه المرحلة هو قدرة «إنرجين» على تحويل الاهتمام بالأصول إلى استثمارات فعلية وبرامج تطوير تزيد الإنتاج، وليس مجرد انتقال ملكية الحصص من شركة إلى أخرى.
مصر تستهدف زيادة إنتاج الغاز والاستثمارات الجديدة
جاءت المفاوضات المحتملة في وقت تعمل فيه مصر على تعزيز أنشطة البحث والاستكشاف وزيادة إنتاج البترول والغاز بعد التراجع الذي شهده الإنتاج خلال السنوات الماضية.
وأعلنت وزارة البترول في أغسطس تنفيذ 149 بئرًا استكشافية خلال عامين، أسفرت عن 112 كشفًا جديدًا، إلى جانب الاستعداد لتوقيع 13 اتفاقية جديدة باستثمارات تتجاوز مليار دولار.
كما طرحت الوزارة مزايدة عالمية للبحث عن البترول والغاز في 14 منطقة جديدة، في إطار خطط جذب استثمارات إضافية ودعم الإنتاج المحلي خلال السنوات المقبلة.
وتوضح هذه التحركات أن انتقال بعض الأصول من شركة دولية إلى أخرى يأتي بالتوازي مع محاولة أوسع لتنشيط قطاع الطاقة، وجذب رؤوس أموال وخبرات جديدة إلى عمليات الاستكشاف والإنتاج.
ماذا تستفيد مصر من انتقال الأصول بين الشركات؟
لا تحصل مصر بالضرورة على قيمة بيع الأصول بين الشركات، لأن المقابل المالي للصفقة يكون بين البائع والمشتري، لكن انتقال الأصول إلى مستثمر جديد يمكن أن يحمل آثارًا اقتصادية مهمة إذا صاحبه ضخ استثمارات إضافية ورفع كفاءة التشغيل وزيادة الإنتاج.
ويتوقف الأثر الفعلي على تفاصيل الاتفاق النهائي وبرامج العمل التي يلتزم بها المستثمر الجديد، خصوصًا ما يتعلق بالإنفاق على الحفر والاستكشاف وتنمية الحقول القائمة.
وتستفيد الدولة من استمرار النشاط الإنتاجي من خلال العوائد المرتبطة بقطاع البترول والغاز، كما يمكن لزيادة الإنتاج المحلي أن تساعد في تقليص الفجوة بين المعروض والطلب على الغاز، بما يخفف الضغوط المرتبطة بتوفير احتياجات السوق.
ولا يمكن اعتبار كل صفقة استحواذ استثمارًا جديدًا بالكامل، لكن دخول شركة جديدة بقدرة مالية وفنية إلى أصول قائمة قد يفتح الباب أمام دورة إضافية من الإنفاق والتطوير والإنتاج.
الصفقة المحتملة تختبر جاذبية قطاع الطاقة المصري
وضعت مفاوضات «إنرجين» و«BP» قطاع الطاقة المصري أمام اختبار مهم، إذ ستكشف نتيجة الصفقة، حال إتمامها، مدى قدرة السوق على جذب مستثمرين جدد إلى أصول قائمة وواعدة في الوقت نفسه.
ولن تقاس القيمة الاقتصادية للعملية بسعر الاستحواذ وحده، وإنما بما يمكن أن يحدث بعد إتمامها من استثمارات جديدة وحفر وتطوير وزيادة في معدلات الإنتاج.
ويصبح هذا الأمر أكثر أهمية بالنسبة لمصر في ظل الحاجة إلى تعزيز الإنتاج المحلي من الغاز، وتقليل الاعتماد على الواردات، وتحقيق أكبر استفادة ممكنة من البنية الأساسية القائمة في قطاع الطاقة.
وتكشف المفاوضات في الوقت نفسه عن تحول في خريطة ملكية أصول الطاقة، فبينما تعيد شركات كبرى ترتيب محافظها، تبحث شركات أخرى عن فرص توسع يمكن أن تمنحها حضورًا أكبر في أسواق شرق المتوسط.
من صفقة محتملة إلى استثمارات فعلية
تكشف المفاوضات بين «إنرجين» و«BP» أن قطاع الطاقة المصري لا يزال قادرًا على جذب اهتمام المستثمرين، رغم التحديات التي واجهها الإنتاج خلال السنوات الماضية.
وتبقى الخطوة الأهم خلال المرحلة المقبلة هي الوصول إلى اتفاق نهائي، ثم معرفة حجم الاستثمارات التي ستلتزم بها الشركة الجديدة وبرامج العمل الخاصة بالأصول التي ستنتقل إليها.
وإذا تحولت المفاوضات إلى صفقة مكتملة وتبعها إنفاق جديد وزيادة في الإنتاج، فقد تمثل العملية نموذجًا لكيفية إعادة تدوير الاستثمارات داخل قطاع الطاقة المصري بدلًا من خروج رؤوس الأموال من السوق.
أما إذا توقفت المفاوضات دون اتفاق، فستظل دلالتها الأهم في حجم المنافسة التي ظهرت حول أصول الطاقة المصرية، والاهتمام الذي تبديه شركات دولية بفرص النمو في سوق الغاز بالمنطقة.
وفي الحالتين، فإن القصة الحقيقية لا تتوقف عند «مليار دولار» قيمة محتملة للصفقة، وإنما عند السؤال الأكبر: هل تستطيع مصر تحويل اهتمام شركات الطاقة العالمية إلى إنتاج واستثمارات وقيمة اقتصادية مستدامة؟










































