كشفت بيانات حديثة عن تركز كبير في هيكل الصادرات المصرية، بعدما استحوذت أكبر 50 شركة مصدرة على نحو 43% من إجمالي صادرات البلاد، بينما ارتفعت النسبة إلى 76% لدى أكبر 500 شركة، ووصلت إلى 92% لدى أكبر 2000 شركة.
وأعادت هذه الأرقام طرح سؤال مختلف حول مستقبل الصادرات المصرية؛ فزيادة قيمة الصادرات لا ترتبط فقط بقدرة الشركات الكبرى على بيع منتجاتها في الخارج، وإنما تحتاج أيضًا إلى توسيع قاعدة الشركات التي تدخل الأسواق العالمية وتستمر فيها.
الأرقام تكشف تركز الصادرات بين شركات محدودة
أظهرت البيانات أن الجزء الأكبر من الصادرات المصرية يتركز لدى عدد محدود نسبيًا من الشركات، وهو ما جعل توسيع قاعدة المصدرين أحد الملفات التي تتحرك عليها وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية خلال الفترة الحالية.
ولم تعد القضية مرتبطة فقط بزيادة صادرات الشركات القائمة، وإنما أصبحت مرتبطة بإدخال شركات جديدة إلى النشاط التصديري، ومساعدة الشركات الصغيرة والمتوسطة على الانتقال من السوق المحلية إلى الأسواق الخارجية.
الحكومة استهدفت زيادة عدد الشركات المصدرة
أطلقت وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية مبادرة «مصر تنطلق بالتصدير» بهدف الوصول إلى الشركات داخل المحافظات والتعرف على احتياجاتها، ثم تعريفها بالأسواق المتاحة وبرامج الدعم والتمويل والخدمات المرتبطة بالتصدير.
وانتقلت المبادرة إلى بورسعيد بعد انطلاقها من الغربية، في محاولة للوصول إلى الشركات في مواقع الإنتاج بدل انتظار توجهها إلى الجهات الحكومية للحصول على المعلومات والخدمات.
126 شركة شاركت في جولة بورسعيد الأخيرة
استقطبت الجولة الثانية من المبادرة في بورسعيد نحو 126 شركة تمثل قطاعات متنوعة، شملت الصناعات النسيجية والهندسية والكيماوية والغذائية ومواد البناء والتشييد.
وأظهر تنوع الشركات المشاركة أن قاعدة الإنتاج المصرية تضم عددًا كبيرًا من الأنشطة القادرة نظريًا على الوصول إلى الأسواق الخارجية، لكن جزءًا منها يحتاج إلى معرفة أكبر بمتطلبات التصدير وآليات التمويل والأسواق المستهدفة.
بورسعيد حققت 6.7 مليار دولار صادرات
سجلت صادرات بورسعيد نحو 6.7 مليار دولار خلال الفترة من يناير 2021 وحتى مايو 2026، بما يمثل قرابة 3% من إجمالي الصادرات المصرية غير البترولية، وفق وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية.
وامتلكت المحافظة في الوقت نفسه موانئ ومناطق صناعية وخدمات لوجستية ونشاطًا تجاريًا، وهي عوامل تمنح الشركات الموجودة بها فرصة لتقليل جزء من تكلفة الوصول إلى الأسواق الخارجية.
مبادرة التمويل ربطت بالتوسع في التصدير
أضافت الجولة الخاصة ببورسعيد شركاء جددًا في مجالات التمويل والتخصيم والخدمات المصرفية، بهدف مساعدة الشركات على الحصول على الأدوات المالية التي تحتاج إليها لزيادة الإنتاج وتنفيذ طلبات التصدير.
وأصبح التمويل أحد العناصر الحاسمة أمام الشركات الصغيرة، لأن الحصول على طلب تصديري كبير لا يعني بالضرورة قدرة المصنع على تنفيذه، خصوصًا إذا احتاج إلى شراء خامات أو زيادة العمالة أو توسيع الطاقة الإنتاجية قبل تحصيل قيمة المبيعات.
الشركات الصغيرة واجهت عقبة الدخول للأسواق
واجهت الشركات التي تريد بدء التصدير مجموعة من المتطلبات، تبدأ من معرفة السوق المستهدف والمواصفات المطلوبة، وتمتد إلى إجراءات الشحن والتأمين والتمويل والتحصيل والالتزام بالمعايير الفنية.
وأصبح توفير هذه المعلومات في مكان واحد عاملًا مهمًا في تقليل تكلفة التجربة على الشركات الجديدة، خصوصًا أن الخطأ في أول عملية تصدير يمكن أن يحول دون تكرار التجربة.
الشركات استفادت من الاتفاقيات والأسواق الجديدة
أتاحت برامج دعم التصدير للشركات التعرف على الأسواق التي يمكن الوصول إليها والاستفادة من الاتفاقيات التجارية التي ترتبط بها مصر، إلى جانب التعرف على المواصفات المطلوبة في كل سوق.
وأصبح اختيار السوق جزءًا أساسيًا من استراتيجية التصدير، لأن نجاح المنتج في السوق المحلية لا يعني بالضرورة قدرته على المنافسة في سوق خارجية تختلف فيها الأسعار والمواصفات وتكاليف النقل والمنافسون.
مصر احتاجت إلى مصدرين أكثر استدامة
استهدفت استراتيجية التوسع في قاعدة المصدرين ألا تقتصر الشركات الجديدة على تنفيذ شحنة أو صفقة واحدة، وإنما أن تستمر في التواجد داخل الأسواق الخارجية وتزيد صادراتها بمرور الوقت.
وأصبح استمرار المصدر في السوق أكثر أهمية من مجرد زيادة عدد الشركات المسجلة كمصدرين، لأن بناء العلامة التجارية والعلاقات التجارية وشبكات التوزيع يحتاج إلى وقت واستثمارات متراكمة.
زيادة المصدرين دعمت قيمة الاقتصاد المحلي
دعمت زيادة عدد الشركات المصدرة هدفًا اقتصاديًا يتجاوز الحصول على الدولار من الخارج، لأن توسع الشركات في التصدير يعني زيادة الإنتاج ورفع الطاقة التشغيلية وخلق طلب إضافي على العمالة والخدمات والنقل والتعبئة.
وأصبح المصنع الذي يبدأ التصدير مضطرًا غالبًا إلى تحسين الجودة والالتزام بالمواصفات، وهو ما يمكن أن ينعكس أيضًا على قدرته على المنافسة داخل السوق المحلية.
التجربة كشفت أهمية ربط الصناعة بالتصدير
كشفت تجربة بورسعيد أن الوصول إلى الأسواق الخارجية لا يعتمد على المنتج وحده، وإنما يحتاج إلى منظومة تبدأ من المصنع وتمتد إلى التمويل والتدريب واللوجستيات والموانئ والمعلومات التجارية.
وامتلكت مصر بالفعل أجزاء كثيرة من هذه المنظومة، لكن التحدي ظل في ربطها بالشركات الصغيرة والمتوسطة بصورة أكثر سهولة وفاعلية.
قاعدة المصدرين وزعت مخاطر الصادرات المصرية
ساهم توسيع قاعدة المصدرين في تقليل اعتماد الصادرات على عدد محدود من الشركات، لأن تعرض شركة كبرى لأزمة إنتاجية أو سوقية يمكن أن يؤثر في جزء ملحوظ من إجمالي الصادرات عندما تكون حصة الشركات الكبرى مرتفعة.
وأصبح توزيع الصادرات على عدد أكبر من الشركات والقطاعات والأسواق عاملًا يساعد على جعل تدفقات النقد الأجنبي أكثر تنوعًا وأقل ارتباطًا بأداء مجموعة محدودة من المصدرين.
الأرقام طرحت سؤال الـ100 مليار دولار
طرحت هذه الأرقام سؤالًا أكبر حول قدرة مصر على الوصول إلى مستهدف رفع الصادرات إلى مستويات أعلى خلال السنوات المقبلة.
فالطريق إلى زيادة الصادرات لا يمر فقط عبر دفع الشركات الكبرى إلى بيع كميات أكبر، وإنما يمكن أن يبدأ من تحويل مئات وآلاف الشركات المنتجة إلى مصدرين منتظمين.
وكل شركة جديدة تدخل السوق العالمية تمثل إضافة محتملة إلى حصيلة الصادرات، بشرط أن تمتلك القدرة على الاستمرار والتوسع وليس تنفيذ عملية تصدير مؤقتة.
الدولة حولت التصدير إلى سباق بين المحافظات
تحولت مبادرة «مصر تنطلق بالتصدير» إلى محاولة لنقل المنافسة التصديرية من مستوى الشركات فقط إلى مستوى المحافظات، بحيث تسعى كل محافظة إلى استغلال صناعاتها وموقعها ومواردها لزيادة مساهمتها في الصادرات.
ويمكن لهذا النموذج أن يكشف صناعات غير معروفة خارج نطاقها الجغرافي، ويمنح الشركات المحلية فرصة للارتباط بمشترين وأسواق لم تكن تصل إليها من قبل.
التجربة كشفت أن الدولار يبدأ من المصنع
كشفت تجربة توسيع قاعدة المصدرين حقيقة اقتصادية مهمة؛ وهي أن زيادة موارد العملة الأجنبية لا تبدأ دائمًا من الأسواق المالية، وإنما يمكن أن تبدأ من مصنع صغير يبحث عن أول مشترٍ له في الخارج.
وإذا نجحت مصر في تحويل عدد أكبر من الشركات المحلية إلى مصدرين دائمين، فإن الزيادة لن تظهر فقط في قيمة الصادرات، وإنما في الإنتاج والتشغيل والاستثمار وسلاسل الإمداد أيضًا.
وهنا تصبح الأرقام الخاصة بتركيز الصادرات أكثر من مجرد إحصائية؛ فهي تكشف مساحة النمو الموجودة داخل الاقتصاد نفسه.
فإذا كانت أكبر 50 شركة تستحوذ على 43% من الصادرات، فإن السؤال ليس فقط كيف نزيد صادرات هذه الشركات، وإنما كيف نصنع 500 شركة جديدة تستطيع الوصول إلى الأسواق العالمية؟
وهذه هي المعادلة التي ستحدد ما إذا كان التوسع في قاعدة المصدرين مجرد مبادرة جديدة، أم بداية لتغيير حقيقي في شكل الصادرات المصرية.










































