مصر توسع صناعة تصدير الخدمات بدل البضائع، حيث حققت صادرات بقيمة 5.1 مليار دولار.
فلم تعد الصادرات المصرية مرتبطة فقط بالحاصلات الزراعية والمنتجات الصناعية والسلع التي تغادر الموانئ في حاويات، إذ بدأت صناعة جديدة في ترسيخ موقعها داخل خريطة التصدير، وهي صناعة التعهيد التي حققت صادرات بقيمة 5.1 مليار دولار بنهاية 2025، مع خطة لرفع الرقم إلى 8 مليارات دولار بحلول 2028.
وكشف وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات رافت هندي أن صادرات صناعة التعهيد وصلت إلى 5.1 مليار دولار بنهاية العام الماضي، بينما تستهدف الوزارة الوصول بها إلى 8 مليارات دولار خلال 2028، في وقت تجاوز فيه عدد العاملين بالقطاع 195 ألف متخصص.
وتضع هذه الأرقام قطاع التعهيد أمام اختبار جديد، ليس فقط باعتباره نشاطًا تكنولوجيًا يوفر وظائف للشباب، وإنما كأحد المسارات التي تستطيع مصر من خلالها زيادة حصيلة صادرات الخدمات وتدفقات العملة الأجنبية دون الحاجة إلى شحن منتج مادي خارج البلاد.
5.1 مليار دولار تدخل خريطة الصادرات المصرية
يعكس وصول صادرات التعهيد إلى 5.1 مليار دولار حجم التحول الذي شهده القطاع خلال السنوات الأخيرة، بعدما أصبح جذب الشركات العالمية وتوسيع مراكز الخدمات في مصر جزءًا من استراتيجية أكبر لزيادة صادرات الخدمات الرقمية.
وأوضح الوزير أن الوزارة تستهدف الوصول بصادرات التعهيد إلى 8 مليارات دولار بحلول 2028، ما يعني إضافة نحو 2.9 مليار دولار إلى حصيلة القطاع مقارنة بمستوى نهاية 2025.
ويكشف المستهدف الجديد أن الرهان لم يعد قائمًا على جذب شركات تكنولوجيا للعمل داخل السوق المحلية فقط، وإنما على استخدام مصر كمركز لتقديم خدمات لعملاء في أسواق خارجية، بما يحول العمالة والمهارات الرقمية إلى مصدر مباشر للنقد الأجنبي.
وتختلف هذه النوعية من الصادرات عن السلع التقليدية؛ فالمنتج هنا قد يكون خدمة عملاء، أو دعمًا فنيًا، أو برمجة، أو خدمات مالية ومحاسبية، أو تحليل بيانات، أو خدمات رقمية متخصصة تقدم من داخل مصر إلى شركة في الخارج.
195 ألف متخصص يصنعون صادرات بلا حاويات
**ارتفع عدد العاملين في صناعة التعهيد إلى أكثر من 195 ألف شخص حاليًا، مقارنة بنحو 90 ألف متخصص فقط في 2021، بحسب تصريحات الرئيس التنفيذي لهيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات «إيتيدا». **
وتوضح هذه القفزة أن نمو القطاع لم يعد مرتبطًا بعدد محدود من مراكز الاتصال، وإنما أصبح يمتد إلى قاعدة أكبر من الوظائف والخدمات الرقمية التي تحتاجها الشركات العالمية.
وتستفيد مصر في هذا المجال من قاعدة واسعة من خريجي الجامعات، إلى جانب توافر اللغات الأجنبية وتعدد التخصصات الهندسية والتكنولوجية والإدارية، وهي عوامل تجعل تكلفة تقديم الخدمة في مصر قادرة على جذب شركات تبحث عن مراكز تشغيل إقليمية.
وأضافت هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات أن أحدث الاتفاقيات الموقعة مع 55 شركة عالمية تستهدف توفير نحو 75 ألف فرصة عمل جديدة، بما يعزز قدرة القطاع على مواصلة التوسع خلال الفترة المقبلة.
من القاهرة إلى المحافظات.. خريطة التعهيد تتغير
**لا يتركز التوسع في صناعة التعهيد داخل القاهرة وحدها، إذ أشار رئيس «إيتيدا» إلى امتداد نمو القطاع إلى مختلف المحافظات، وهو ما يفتح المجال أمام توزيع الاستثمارات وفرص العمل على نطاق جغرافي أوسع. **
وتمنح هذه الخطوة الشركات فرصة الوصول إلى قاعدة أكبر من الكفاءات، كما تمنح المحافظات فرصة لاستقبال وظائف ذات قيمة مضافة أعلى من الأنشطة التقليدية المرتبطة بالخدمات المحلية.
وتصبح البنية التحتية الرقمية عاملًا حاسمًا في هذا التوسع، لأن شركات التعهيد تعتمد على الإنترنت والاتصالات ومراكز البيانات والأمن السيبراني واستقرار الخدمات بصورة مباشرة.
وتعمل وزارة الاتصالات في الوقت نفسه على توسيع شبكات الألياف الضوئية في المحافظات والقرى، ضمن خطة لتحسين البنية الأساسية التي تعتمد عليها الخدمات الرقمية.
الدولار هنا يأتي من مهارة وليس منتجا
تختلف أهمية التعهيد اقتصاديًا عن قطاعات تصديرية كثيرة، لأن جزءًا كبيرًا من القيمة المضافة يتولد من العنصر البشري نفسه، وليس من المواد الخام أو استهلاك الطاقة لإنتاج سلعة.
فعندما يقدم موظف مصري خدمة برمجية أو دعمًا فنيًا أو تحليلًا لبيانات شركة خارجية، فإن الخدمة التي ينتجها تتحول إلى إيراد تصديري رغم عدم مغادرة أي شحنة مادية الأراضي المصرية.
وتمنح هذه المعادلة الاقتصاد فرصة لتوسيع صادراته باستخدام أصل متجدد يتمثل في المهارات البشرية، مع إمكانية زيادة الإنتاج بمجرد تدريب كوادر جديدة وربطها بالشركات والأسواق الخارجية.
لكن هذه الميزة تفرض في المقابل تحديًا واضحًا؛ فالمنافسة العالمية في الخدمات الرقمية لا تتوقف، والدول التي تمتلك كوادر مدربة ولغات متعددة وبنية اتصالات قوية تستطيع جذب العقود نفسها.
الذكاء الاصطناعي يغيّر شكل الصناعة
يدخل الذكاء الاصطناعي تدريجيًا إلى صناعة الخدمات والتعهيد، وهو ما يجعل نمو القطاع مرتبطًا خلال السنوات المقبلة بقدرة الشركات المصرية على الانتقال من الخدمات التقليدية إلى الخدمات الأعلى قيمة.
وتشير التحركات الحالية لوزارة الاتصالات إلى توسع الاهتمام بالتطبيقات الذكية والخدمات الرقمية، بالتزامن مع العمل على إعداد الكوادر التي تستطيع التعامل مع احتياجات سوق العمل المحلية والدولية.
ويعني ذلك أن المنافسة لم تعد على عدد الموظفين فقط، وإنما على نوعية المهارات التي يستطيع الموظف تقديمها، ومدى قدرته على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والعمل في مجالات تقنية متخصصة.
ومن هنا يمكن أن يتحول الذكاء الاصطناعي من عامل ضغط على بعض الوظائف التقليدية إلى أداة لرفع إنتاجية العامل المصري وزيادة قيمة الخدمة التي تصدرها الشركات العاملة من مصر.
75 ألف وظيفة جديدة ترفع سقف الطموح
تستهدف الاتفاقيات الأخيرة مع 55 شركة عالمية إضافة نحو 75 ألف وظيفة، وهو رقم يعكس حجم الرهان على جذب عمليات جديدة لشركات التعهيد وتوسيع النشاط القائم بالفعل.
وتحمل هذه الوظائف أهمية تتجاوز أعداد العاملين، لأن كل توسع في شركات التعهيد يعني زيادة الطلب على التدريب والاتصالات ومراكز البيانات والخدمات المساندة والمساحات الإدارية.
كما يمكن أن يؤدي انتشار مراكز التعهيد في المحافظات إلى خلق منظومة اقتصادية محلية حول هذه الشركات، خاصة في المدن التي تمتلك جامعات وقاعدة من الخريجين لكنها تعاني محدودية فرص العمل النوعية.
وتصبح جودة التدريب عاملًا حاسمًا في تحويل هذه الفرص إلى قيمة اقتصادية حقيقية، خصوصًا مع ارتفاع الطلب العالمي على اللغات والبرمجة والأمن السيبراني وتحليل البيانات والخدمات المالية الرقمية.
مصر لا تنافس بالسعر فقط
يمثل انخفاض تكلفة التشغيل أحد عوامل جذب شركات التعهيد إلى مصر، لكنه لا يمكن أن يكون أساس المنافسة الوحيد على المدى الطويل، لأن الشركات العالمية تبحث كذلك عن الجودة والاستقرار وسرعة تقديم الخدمة وتوافر الكفاءات.
وتحتاج مصر بالتالي إلى مواصلة الاستثمار في تدريب العاملين ورفع مستويات إتقان اللغات وتطوير المهارات التقنية، حتى تستطيع الشركات المحلية ومراكز الخدمات العالمية الموجودة في البلاد الانتقال إلى خدمات ذات قيمة أعلى.
ويزيد تنوع الأسواق التي تستطيع مصر خدمتها من أهمية هذا الاتجاه، فوجود موظفين يتحدثون لغات متعددة يتيح تقديم الخدمات لأسواق أوروبا والخليج وأفريقيا وأمريكا الشمالية من قاعدة تشغيل واحدة.
البنية الرقمية تتحول إلى أصل اقتصادي
لا تستطيع صناعة التعهيد تحقيق مستهدفات التصدير دون بنية اتصالات قادرة على تحمل التوسع، ولذلك أصبح الاستثمار في الألياف الضوئية ومراكز البيانات والأمن السيبراني جزءًا مباشرًا من استراتيجية نمو صادرات الخدمات.
وتعمل وزارة الاتصالات على توسيع تغطية شبكات الألياف الضوئية بالمحافظات، إلى جانب مشروعات لمد الكابلات إلى القرى المستفيدة من مبادرة «حياة كريمة».
كما تستعد الوزارة لإطلاق استراتيجية متكاملة لمراكز البيانات بنهاية العام، وفق تصريحات الوزير، وهو ما يمكن أن يدعم نمو الاقتصاد الرقمي والخدمات التي تعتمد على معالجة البيانات وتخزينها.
وتصبح هذه الاستثمارات أكثر أهمية كلما ارتفعت قيمة الخدمات التي تقدمها الشركات من مصر، لأن الشركات العالمية تحتاج إلى بنية مستقرة وآمنة قبل نقل عمليات حساسة إلى مركز إقليمي.
من 5.1 إلى 8 مليارات دولار
تحتاج مصر للوصول من 5.1 مليار دولار إلى 8 مليارات دولار في صادرات التعهيد إلى زيادة تقارب 57% عن المستوى المحقق بنهاية 2025، وهو ما يجعل السنوات المقبلة مرحلة توسع وليست مجرد استمرار للمعدلات الحالية.
ويعتمد تحقيق هذا المستهدف على جذب شركات جديدة، وتوسيع عمليات الشركات الموجودة بالفعل، وزيادة عدد العاملين، ورفع قيمة الخدمات المقدمة من مصر، إلى جانب الوصول إلى أسواق جديدة.
وتمنح الاتفاقيات الموقعة مع الشركات العالمية دفعة أولية لهذا المسار، لكن تحويل الاستثمارات إلى صادرات فعلية يتطلب استمرار نمو الطلب الخارجي على الخدمات المصرية وقدرة الشركات على المنافسة في الجودة والسعر والمهارات.
«منصة سوق المال» ترصد صناعة تصدر من خلف الشاشات
وتتابع «منصة سوق المال» نمو التعهيد باعتباره نموذجًا مختلفًا للصادرات المصرية؛ فالمصنع هنا قد يكون مكتبًا مجهزًا بالحواسيب والاتصالات، والمنتج قد يكون كودًا برمجيًا أو خدمة رقمية، والمشتري يوجد في دولة أخرى.
ويعني هذا النموذج أن الاقتصاد المصري يستطيع زيادة حصيلة صادرات الخدمات دون زيادة موازية في واردات المواد الخام اللازمة لإنتاج سلعة مادية، وهو ما يمنح القطاع أهمية خاصة في استراتيجية تنويع مصادر العملة الأجنبية.
ومع تجاوز عدد العاملين 195 ألف متخصص واستهداف صادرات بقيمة 8 مليارات دولار في 2028، تتحول صناعة التعهيد تدريجيًا من قطاع واعد إلى أحد المسارات الرئيسية التي تراهن عليها مصر في اقتصاد الخدمات.
ويبقى التحدي الحقيقي هو الحفاظ على سرعة النمو، ورفع قيمة الخدمة المصرية، وتحويل قاعدة الكفاءات البشرية إلى صادرات أكثر تنوعًا واستدامة، بحيث لا تكون مصر مجرد مركز منخفض التكلفة، وإنما مركزًا إقليميًا للخدمات الرقمية ذات القيمة المضافة.










































