اللحمة غالية.. لكن الجزارين يشتكون من الركود.. ماذا يحدث؟ ، في هذا التقرير توضح منصة سوق المال ماذا يحدث في سوق اللحوم .
رغم بقاء أسعار اللحوم الحمراء عند مستويات مرتفعة في السوق المصرية، فإن المفارقة اللافتة خلال الفترة الأخيرة تتمثل في أن ارتفاع السعر لم يعد يعني بالضرورة قوة المبيعات، بعدما دخلت السوق في حالة من الركود مع تراجع القدرة الشرائية للأسر وتحول اللحوم من سلعة أساسية منتظمة إلى شراء مؤجل لدى شريحة من المستهلكين.
وكشف رئيس شعبة القصابين بالغرفة التجارية، هيثم عبد الباسط، أن الركود في سوق اللحوم المحلية وصل إلى نحو 60% خلال الفترة الأخيرة، مشيرًا إلى أن ارتفاع الأسعار وموجة التضخم أثرا على القوة الشرائية للمواطنين، في وقت تتجه فيه الأسر إلى ترتيب أولويات الإنفاق مع بداية العام الدراسي.
70 % من الجزارين لا يبيعون حتى نصف عجل أسبوعيا
أوضح أن حجم التراجع يظهر بصورة أكبر داخل محلات الجزارة، إذ أشار إلى أن نحو 70% من الجزارين لا يبيعون حتى نصف عجل أسبوعيا، وهو مؤشر يكشف أن المشكلة الحالية لا ترتبط فقط بمستوى الأسعار، وإنما بقدرة السوق على استيعاب هذه الأسعار عند المستهلك النهائي.
وتكشف هذه الأرقام عن تغير مهم في سلوك المستهلك المصري؛ فبدلًا من أن يؤدي ارتفاع الأسعار إلى زيادة قيمة المبيعات، أصبح جزء من المستهلكين يقلل الكميات أو يؤجل الشراء أو يتجه إلى بدائل أقل تكلفة، وهو ما يضغط في النهاية على حجم التداول داخل محلات الجزارة.
اللحوم البلدية الطازجة في المنافذ الحكومية يمكن أن تكون أقل من أسعار محلات الجزارة
تشير مستويات الأسعار الحالية إلى أن اللحوم البلدية الطازجة في المنافذ الحكومية يمكن أن تكون أقل من أسعار محلات الجزارة، بينما تتراوح أسعار اللحوم البلدية في الأسواق الخاصة وفق المنطقة والقطعية بين مستويات مرتفعة تصل في بعض المناطق إلى نحو 480 جنيها للكيلو، مع اختلاف السعر من محافظة إلى أخرى.
وتوضح «منصة سوق المال» أن الفجوة بين السعر الذي يطلبه المنتج أو التاجر والسعر الذي يستطيع المستهلك تحمله أصبحت عنصرًا رئيسيا في تحديد شكل السوق، لأن استمرار ارتفاع التكلفة لا يضمن قدرة التاجر على تمرير الزيادة كاملة إلى المستهلك دون التأثير في حجم المبيعات.
تتداخل في تكلفة اللحوم عدة عناصر
تتداخل في تكلفة اللحوم عدة عناصر تبدأ من سعر الحيوان الحي وتكلفة الأعلاف والرعاية البيطرية والنقل، ثم الذبح والتجهيز والتبريد وهوامش التجار والجزارين، وهو ما يجعل انخفاض سعر البيع في مرحلة واحدة من السلسلة غير كافٍ بالضرورة لإحداث انخفاض مماثل لدى المستهلك.
وتكشف المقارنة بين المحافظات أيضًا عن اختلافات ملحوظة في الأسعار، إذ يمكن أن تسجل بعض الأسواق المحلية أسعارًا أقل من المدن الكبرى، بينما ترتفع التكلفة في المناطق التي تزيد فيها مصروفات النقل وتعدد حلقات التداول، وهو ما يجعل الحديث عن «سعر موحد للحمة» غير دقيق من الناحية الاقتصادية.
وتظهر المفارقة بشكل أوضح عند النظر إلى السوق من جانب العرض؛ فهناك حديث مستمر عن زيادة المعروض من خلال مشروعات الثروة الحيوانية والمنافذ الحكومية.
لا يزال المستهلك يشعر بارتفاع السعر في القطاع الخاص
بينما لا يزال المستهلك يشعر بارتفاع السعر في القطاع الخاص، ما يعني أن زيادة المعروض وحدها لا تكفي إذا ظلت تكلفة الإنتاج والتداول مرتفعة. وتشير تقارير حديثة إلى استقرار نسبي في أسعار اللحوم خلال سبتمبر مع زيادة المعروض من المشروعات الحيوانية.
وتطرح «منصة سوق المال» سؤالًا مختلفًا عن السؤال التقليدي حول موعد انخفاض سعر كيلو اللحمة: هل المشكلة في نقص المعروض أم في ارتفاع تكلفة وصول اللحمة إلى المستهلك؟
وتشير المؤشرات الحالية إلى أن جانب الطلب أصبح عنصرا لا يقل أهمية عن الإنتاج؛ فالجزار الذي لا يستطيع بيع نصف عجل أسبوعيًا يواجه تكلفة تمويل وتشغيل وتخزين أعلى لكل كيلو يتم بيعه، وقد يضطر إلى تقليل حجم مشترياته، وهو ما يؤثر بدوره على حركة السوق بأكملها.
انخفاض حركة البيع يمكن أن يضغط على هوامش الربح
تزداد أهمية هذه النقطة بالنسبة لصغار المربين والجزارين، لأن انخفاض حركة البيع يمكن أن يضغط على هوامش الربح ويجعلهم أكثر حساسية لأي زيادة جديدة في الأعلاف أو النقل أو الطاقة، بينما يظل المستهلك في الطرف الآخر غير قادر على تحمل زيادات مستمرة.
وتكشف أزمة اللحوم الحالية بالتالي عن معادلة أكثر تعقيدا من مجرد ارتفاع الأسعار؛ فالسوق يمكن أن يجمع في الوقت نفسه بين ارتفاع سعر السلعة وانخفاض حجم الطلب عليها، وهي حالة تعكس تراجع القوة الشرائية أكثر مما تعكس نقصًا حادا في المعروض.
وتحتاج معالجة هذه المعادلة إلى النظر في كامل سلسلة القيمة، من تكلفة تربية الماشية وأسعار الأعلاف وحتى النقل والذبح والتوزيع، لأن خفض أي حلقة بصورة منفردة قد لا يكون كافيا إذا ظلت الحلقات الأخرى تضيف تكلفة مرتفعة.
سوق اللحوم المصرية أمام اختبار مهم
توضح البيانات الحالية أن سوق اللحوم المصرية أمام اختبار مهم: الحفاظ على استدامة إنتاج المربين والتجار من ناحية، وفي الوقت نفسه الوصول إلى سعر يستطيع المستهلك تحمله من ناحية أخرى.
وبالنسبة للاقتصاد المصري، فإن نجاح هذه المعادلة لا يتعلق فقط بسعر كيلو اللحمة، وإنما بقدرة السوق على تحقيق توازن بين المنتج والتاجر والمستهلك، بحيث لا يتحول ارتفاع السعر إلى مزيد من الركود، ولا يتحول انخفاض الطلب إلى ضغط على استمرار الإنتاج.










































