يكشف التحرك الحكومي الجديد بشأن محصول الكتان عن اتجاه لتغيير شكل صناعة الكتان بالكامل، عبر الانتقال من التعامل مع الكتان كمحصول زراعي إلى بناء سلسلة إنتاج متكاملة تبدأ من التقاوي والزراعة ولا تنتهي عند تصدير المنتج النهائي.
ويأتي هذا التحرك في وقت تبحث فيه مصر عن صناعات يمكنها زيادة القيمة المضافة للموارد المحلية، وفتح أسواق تصديرية جديدة، وخلق فرص عمل مرتبطة بالإنتاج والتصنيع بدلًا من الاكتفاء بتصدير الخامات.
وأوضح اجتماع موسع عقدته وزارات الصناعة والزراعة والتعليم العالي، بمشاركة جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، أن التصور المطروح لا يقتصر على زيادة المساحات المزروعة، وإنما يستهدف تطوير سلسلة القيمة الكاملة للكتان، بداية من التقاوي والزراعة والتعطين والفرز والتربيط وفصل الألياف، وصولًا إلى تمشيطها وتجهيزها ثم الغزل والنسيج والتصنيع والتصدير.
خطة جديدة تربط الزراعة بالصناعة والتصدير
وكشف وزير الصناعة خالد هاشم أن الحكومة تنظر إلى الكتان باعتباره محصولا ذا عائد اقتصادي مرتفع، خصوصًا أن أجزاء المحصول المختلفة يمكن استخدامها في صناعات متعددة، إذ تدخل الألياف في المنسوجات وبعض الصناعات الورقية، بينما تستخدم البذور في استخراج الزيوت وصناعات الدهانات والورنيش، كما يمكن الاستفادة من ساس الكتان في إنتاج الخشب الحبيبي.
وأضاف أن الخطة التنفيذية تتضمن تطوير القاعدة القائمة لصناعة الكتان في تجمع شبرا ملس، بالتوازي مع إنشاء نموذج متطور للزراعة والتعطين في منطقة الضبعة ضمن مشروع الدلتا الجديدة، إلى جانب رفع كفاءة شركة طنطا للكتان، وفتح مسار تصنيعي جديد للكتان، بما يدعم بناء هوية أكثر وضوحًا للمنتج المصري في الأسواق الخارجية.
الدلتا الجديدة تدخل على خط صناعة الكتان
وتابع جهاز مستقبل مصر أن التوسع في زراعة الكتان داخل الأراضي الجديدة يحتاج إلى حساب التكلفة الاقتصادية بصورة أشمل، فلا يتعلق الأمر فقط بتكلفة الزراعة، وإنما أيضا بكفاءة استخدام الأرض والموارد الزراعية والعائد الناتج على مدار الموسم.
ويستهدف الجهاز تحقيق استفادة اقتصادية أكبر من زراعة الكتان في أراضي الدلتا الجديدة، مع ربط الإنتاج الزراعي بالتصنيع بدلًا من فصل المرحلتين عن بعضهما.
وأوضح بهاء الغنام، رئيس جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، أن زيادة العائد من الكتان ترتبط بالتوسع في التصنيع ورفع القيمة المضافة، مع إمكانية الدخول في شراكات مع شركات أجنبية متخصصة في زراعة الكتان وتعطينه وتصنيعه، وهو ما قد يفتح المجال أمام نقل الخبرات والتكنولوجيا ورفع جودة المنتجات المصرية الموجهة للتصدير.
البحث العلمي يدخل مرحلة تطوير المحصول
وأشار وزير الزراعة علاء فاروق إلى أهمية بناء منظومة تبدأ من الزراعة نفسها، من خلال توفير أصناف عالية الإنتاجية وتحسين جودة الألياف والزيوت، مع الاستفادة من الأبحاث التطبيقية لتطوير سلالات تتناسب مع احتياجات الصناعة.
ويستهدف هذا المسار زيادة إنتاجية المحصول وتحسين مواصفاته وتقليل الاعتماد على استيراد بعض المدخلات المرتبطة بالصناعة.
وأكد وزير التعليم العالي عبد العزيز قنصوة أن المراكز البحثية والجامعات يمكن أن تلعب دورا في تطوير مراحل الزراعة والغزل والنسيج والتصنيع، إلى جانب تعظيم الاستفادة من المخلفات.
وتكتسب هذه النقطة أهمية اقتصادية لأن زيادة عدد المنتجات التي يمكن استخراجها من المحصول تعني توزيع قيمة الكتان على أكثر من صناعة بدلا من حصر العائد في بيع الألياف الخام فقط.
من تصدير الخام إلى بيع منتج مصري كامل
ويأتي التحرك الجديد في إطار توجه أوسع لرفع القيمة المضافة للصادرات المصرية، خاصة أن تصدير الخامات أو المنتجات منخفضة التصنيع يترك جزءا كبيرا من القيمة الاقتصادية خارج السوق المحلي.
وبالنسبة للكتان، فإن الانتقال إلى الغزل والنسيج والمنتجات النهائية يضيف مراحل إنتاج جديدة داخل مصر، ويخلق احتياجات إضافية للعمالة والخدمات اللوجستية والتعبئة والتصميم والتسويق.
وتشير بيانات منشورة في أغسطس 2026 إلى وجود مستهدفات لرفع صادرات الكتان المصري إلى مستويات أكبر بحلول 2030، مع التركيز على الفجوة بين قوة مصر في إنتاج الألياف وبين محدودية صادرات المراحل الأعلى قيمة مثل الغزل والأقمشة والملابس والمفروشات.
صناعة قد تفتح سوقا جديدا للصادرات المصرية
وتكشف هذه الخطة، وفق ما نشرته «منصة سوق المال»، أن الرهان على الكتان لا يتعلق بزيادة محصول زراعي فقط، وإنما بإعادة تشكيل صناعة كاملة حوله، تبدأ من الأرض وتنتهي بمنتج يحمل قيمة صناعية وتصديرية أعلى. ويمنح ذلك مصر فرصة لتطوير منتج محلي يمكن أن يخدم أكثر من سوق، خاصة مع إمكانية استخدام الألياف والبذور والمخلفات في صناعات مختلفة.
وتبقى الخطوة الأهم خلال الفترة المقبلة هي تحويل الدراسات والتصورات إلى مشروعات إنتاجية فعلية، سواء من خلال تطوير التجمعات القائمة أو إقامة مشروعات جديدة في مناطق الاستصلاح، مع جذب شراكات تكنولوجية قادرة على تحسين الإنتاج والتصنيع.
وفي حال تنفيذ هذه المراحل بصورة مترابطة، يمكن أن يتحول الكتان من محصول تقليدي إلى أحد المسارات الصناعية التي تجمع بين الزراعة والتصنيع والتصدير في سلسلة واحدة.










































