تدخل الصناعة المصرية مرحلة جديدة مع استهداف ضخ 252.8 مليار جنيه في قطاع الصناعات التحويلية، في خطة تستند بشكل أساسي إلى الاستثمارات الخاصة، وتضع زيادة الإنتاج وتعميق التصنيع المحلي ورفع القدرة التصديرية في مقدمة أهدافها.
وتكشف الأرقام أن القطاع الخاص يستحوذ على نحو 83% من الاستثمارات المستهدفة للصناعة التحويلية خلال خطة العام المالي 2025/2026، مقابل 16.9% للاستثمارات العامة، بينما تستحوذ الصناعات التحويلية غير البترولية على نحو 65.6% من إجمالي استثمارات القطاع.
252.8 مليار جنيه تغير خريطة الاستثمار الصناعي
وأوضح تقرير وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي أن الاستثمارات المستهدفة للقطاع تمثل زيادة قدرها 154.1% مقارنة بالاستثمارات الفعلية المسجلة خلال 2023/2024، والتي بلغت 99.5 مليار جنيه.
ويعني ذلك أن الرهان لم يعد قائمًا فقط على زيادة عدد المصانع أو توفير الأراضي الصناعية، وإنما على توسيع حجم رأس المال الذي يدخل خطوط الإنتاج، خصوصًا في الصناعات غير البترولية التي ترتبط بصورة مباشرة بالسوق المحلية والتصدير وسلاسل التوريد.
وتستهدف الخطة رفع قيمة الإنتاج الصناعي إلى نحو 6.8 تريليون جنيه، مقابل 5.7 تريليون جنيه في العام السابق، بنمو مستهدف يبلغ 19%، إلى جانب ارتفاع الناتج الصناعي إلى نحو 2.9 تريليون جنيه مقارنة بنحو 2.4 تريليون جنيه.
الصناعة تتحول من سوق محلية إلى منصة تصدير
ويحمل التوسع في الاستثمار الصناعي أهمية أكبر عندما يرتبط بالأسواق الخارجية، خاصة أن الصناعات التحويلية تمثل أحد المكونات الرئيسية للصادرات السلعية غير البترولية، ما يجعل زيادة الطاقة الإنتاجية مرتبطة بقدرة الشركات على الوصول إلى أسواق جديدة.
وكشفت مؤشرات القطاع عن نمو الصناعات التحويلية غير البترولية بنسبة 14.5% خلال الربع الأول من العام المالي 2025/2026، مع تسجيل معدلات نمو قوية في عدد من الأنشطة، بينها صناعة المركبات والكيماويات والمشروبات والأثاث والملابس الجاهزة.
ويفتح هذا التنوع مساحة أمام الصناعة المصرية للتحرك في أكثر من اتجاه في الوقت نفسه، إذ يمكن لبعض المصانع التركيز على إحلال المنتجات المستوردة، بينما تتجه مصانع أخرى إلى زيادة التصدير والاستفادة من الاتفاقيات التجارية والأسواق الإقليمية.
إحلال الواردات يفتح فرصًا أمام المستثمرين
ويظهر أحد أهم أبعاد التوسع الصناعي في محاولة تحويل جزء من فاتورة الاستيراد إلى فرص إنتاج داخل مصر، خصوصًا في السلع والمكونات التي يمكن تصنيعها محليًا.
وتشمل المجالات المستهدفة منتجات ومكونات صناعية متعددة، وهو ما يخلق سوقًا محتملة أمام المستثمرين الذين يستطيعون توفير منتجات بمواصفات وجودة وأسعار تنافسية، بدلًا من الاعتماد الكامل على المنتج المستورد.
ولا يتوقف أثر إحلال الواردات عند توفير العملة الأجنبية، بل يمتد إلى إنشاء سلاسل توريد محلية، لأن المصنع الكبير يحتاج إلى مكونات ومواد خام وخدمات نقل وصيانة وتعبئة، وهو ما يتيح فرصًا إضافية أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة.
القطاع الخاص يمسك بالمقود في المرحلة الجديدة
وتكشف نسبة الـ83% الخاصة بالاستثمارات الخاصة عن الدور الذي أصبح مطلوبًا من الشركات والمستثمرين في تنفيذ جانب كبير من التوسع الصناعي، بينما يتركز دور الدولة بصورة أكبر في تهيئة البيئة اللازمة للاستثمار وتوفير الأراضي والمرافق والتشريعات والحوافز.
وتشير الخطة إلى أن زيادة الاستثمارات الخاصة ليست هدفًا منفصلًا عن النمو الصناعي، لأن دخول رأس المال الخاص إلى الإنتاج يعني إضافة طاقات جديدة، وخلق وظائف، وزيادة الطلب على مستلزمات الإنتاج، وفتح قنوات جديدة للتصدير.
وتحتاج هذه المعادلة في المقابل إلى قدرة المصانع على التشغيل بكفاءة، وسرعة الحصول على التراخيص، واستقرار مدخلات الإنتاج والطاقة، إلى جانب توفير التمويل المناسب للتوسع وشراء المعدات والتكنولوجيا الحديثة.
التكنولوجيا تحدد قدرة المصانع على المنافسة
ويأتي إدخال التكنولوجيا الحديثة ضمن العناصر التي يمكن أن تحدد مدى استفادة الصناعة من الاستثمارات الجديدة، خاصة مع تغير طبيعة المنافسة في الأسواق العالمية وارتفاع متطلبات الجودة والإنتاجية.
وتستهدف الاستراتيجية الصناعية التوسع في صناعات متوسطة التكنولوجيا، مع دعم قطاعات قادرة على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، وهو ما يجعل الاستثمار في المعدات والتدريب والجودة جزءًا أساسيًا من عملية التوسع، وليس مجرد تكلفة إضافية على المصنع.
ويعني ذلك أن المصنع الذي يضيف خط إنتاج جديدًا دون رفع كفاءة التشغيل أو تطوير المنتج قد لا يحقق نفس الأثر الاقتصادي المتوقع من مصنع يستخدم التكنولوجيا لخفض التكلفة وزيادة الإنتاج وتحسين الجودة وفتح أسواق جديدة.
الصناعة أمام اختبار تحويل الأموال إلى إنتاج
وتضع هذه الأرقام الصناعة المصرية أمام اختبار مهم؛ فزيادة الاستثمارات وحدها لا تكفي لقياس نجاح الخطة، بينما يصبح المؤشر الأهم هو حجم الإنتاج الفعلي، ونسبة تشغيل المصانع، وعدد الوظائف الجديدة، وحجم الصادرات، ومدى انخفاض الاعتماد على بعض الواردات.
وتستهدف الدولة أن تصبح الصناعة أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي، بالتوازي مع رفع مساهمتها في الناتج المحلي وزيادة الصادرات الصناعية، وهو ما يجعل نتائج الاستثمارات الجديدة مرتبطة بأداء الاقتصاد خلال السنوات المقبلة.
وتشير «منصة سوق المال» إلى أن التحول الحقيقي سيكون في قدرة الاستثمارات المستهدفة على الانتقال من مرحلة الأرقام والخطط إلى مصانع تعمل بطاقات مرتفعة، ومنتجات تدخل السوق المحلية والخارجية، وسلاسل توريد تضم شركات كبيرة وصغيرة في الوقت نفسه.
وبهذه المعادلة، يصبح رقم 252.8 مليار جنيه بداية للقصة وليس نهايتها؛ لأن القيمة الاقتصادية الأكبر تظهر عندما يتحول رأس المال إلى إنتاج مستمر، والإنتاج إلى صادرات، والصادرات إلى تدفقات نقد أجنبي وفرص عمل وقيمة مضافة داخل الاقتصاد المصري.










































