أخذت سها تبكى وتبكى فى صمت تبكى وهى تعلم أن البكاء لايعبر إلا عن القليل مما يجيش به صدرها.
تحملت الكثير من الصعاب من أجل ذلك اليوم وتحملت الكثير من المتاعب واللوم من أجل هذا اليوم وما أن أتى ذلك اليوم المشهود حتى رأت أكثر الأيام قسوة وصعوبة وتعاسة فى حياتها.
فقد ظلت تعمل طوال سنوات من أجل ذلك اليوم ولكنها صدمت ورأت أن مابذلته من جهد وتعب قد ذهب أدراج الرياح .
نظرت حولها لم تجد سواها فى غرفة خالية من كل شيء إلا من الحرس وطاولة كبيرة ممدد عليها إنسان مغطى بملاءة بيضاء.
أخذت تقترب من الطاولة وهى يكاد يغشى عليها ليس من الخوف ولكن من الحزن.
وكلما أقتربت كلما دنت منها ذكريات الأيام التى أمضتها مع ذلك الشخص الممدد على الطاولة .
كم كان لها ربيع العمر وأمل الغد ونسمة الصيف الحار الذى طالما أنتظرتها وهى تتصبب عرقا.
مدت يدها لتزيح الغطاء عن وجه من أحبت وضحت بحياتها من أجله وتمنت أن تراه فى أعلى المناصب ولكن لم تستطع يداها رفع الغطاء فقد كانت يداها ترتعشان بشدة وقلبها كاد أن يتوقف .
قاومت كل تلك المشاعر والأحاسيس ورفعت الغطاء وهالها مارأت وجهه ملطخ بالدماء وقد شج رأسه ولكن بدت ملامحه واضحه وتعلو وجهه إبتسامه وسكينه بالرضا والقضاء والقدر.
تلك مشيئه الله ولاراد لقضائه . أمسكت بيديه وقبلتها وراحت تضمها بكفيها فى حنان وحب وبكاء لايتوقف وظلت تهمس بكلمات كما لو انها تخاطب بها حيا ولكن فى همس لا يسمعه سواها قبلت يديه وأعادتها إلى جنبيه وأعادت الغطاء كما كان .
وفى تلك الأثناء دخل عليها رجل المباحث وقال لها هل تعرفت على الجثة إنها لأخيك أليس كذلك. فأومأت دون أن تقوى على الكلام فقال لها تعالى أذن لكى نتم المحضر وتتسلمى جثة أخيك ضحية حادث كبير على الطريق الصحراوى
كان فى طريق العودة من الأسكندرية ليزف إليها بشرى نجاحه وحصوله على بكالوريوس الهندسة يتقدير جيد جدا بعد خمس سنوات تحملت أخته فيها كل الصعاب من أجل إتمام تعليمه بعد وفاة والديهما فى حادثة مماثلة منذ أن كان فى الخامسة من عمره وهى فى الخامسة عشر من عمرها وأكتفت بالثانوية العامة وألتحقت بالعمل من أجل تربية وتعليم أخيها حيث لاأحد لهما ولاقريب ورفضت الأرتباط بأحد من أجل أخيها كى لايشاركه أحد الحب والرعاية حتى يتخرج وهاهو اليوم الذى طالما أنتظرته وحلمت به قد أحال حياتها إلى جحيم وحلمها إلى سراب.
فقد أنطفأ النور الذى كان يضيء لها طريقها .
أجلسها الضابط أمامه وطلب لها كوب من الليمون ووقعت على المحضر الذى تم قيده ضد مجهول حيث أن الحادثة وقعت فى فجر اليوم وهو يعبر الطريق لركوب الأتوبيس الذى كان يقف على الجانب الأخرفأطاحت به سيارة يقودها صاحبها بسرعة جنونية وفر الجانى بسيارته دون أن يستدل عليه أحد ولكن الضابط وعدها بإستمرار البحث عن المتسبب فى الحادثة مهما طال الزمان.
تركت مكتب الضابط وقامت بإستلام جثة أخيها وأعدت مراسم الجنازة وقامت بدفنه فى مدافن الأسرة وعادت لوحدتها وأحزانها وذكرياتها الاليمة .