شهر اغسطس في الذاكرة الوطنية المصرية
بقلم لواء دكتور: صفوت الديب
الخبير الاستراتيجي
فقدنا الزعيم سعد زغلول في اغسطس 1927 ، كان سعد زغلول وطنيا صلبا نجح في الحصول على اجماع شعبي شبه كامل في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الاولى. 2 من 2
نفي سعد زغلول وكانت نظرية الاستعمار خلال تلك المرحلة هي منع صناعة الزعماء وان الزعيم الذي سيقتل سيتحول الى رمز وسيصبح قبره مزارا وسيكون ملهما للاجيال الشابة وسيسبب ذلك المزيد من الاشكاليات فاستخدموا ضده القتل المعنوي ( تشويه الصورة) نفس الاسلوب الذي استخدم ضد عرابي في مرحلة سابقة .
بعد الفشل قاموا بنفيه فتسبب ذلك في ثورة شعبية عارمة عفوية بلا قائد( 1919) والتي لم تهدأ الا بعودة سعد زغلول من المنفى .

صلابة سعد زغلول كان من نتائجها اضطرار بريطانيا لاعطاء استقلال اسمي لمصر في تصريح فبراير 1922 والذي بموجبه اصبح من حق مصر تبادل البعثات الدبلوماسية مع دول العالم ، ثم الموافقة على اول دستور مصري ( دستور 1923) والذي صاغه قامات قانونية مصرية عظيمة في ذلك الوقت .
رفض سعد زغلول خلال ترأسه للوزارة كزعيم للامة الموافقة على المطالب البريطانية المجحفة في حق مصر خاصة بعد اغتيال السير لي ستاك المفتش العام البريطاني للجيش المصري وكان اهمها سحب الجيش المصري من السودان فاستقال .
وفي مرحلة لاحقة عرض عليه الاحتلال البريطاني ان يكون ملكا على مصر في وجود جيوش الاحتلال فرفض ، التف الشعب حول سعد زغلول وبقي صلبا في وجه الاستعمار الى ان وافته المنية في اغسطس 1927.
لقد كان فقدان سعد زغلول نكسة للحركة الوطنية المصرية شعر المصريون بها بعد فترة من وفاته ، انقسم حزب الوفد الى ( الوفد ، السعديون ، الاحرار الدستوريون ، الكتلة الوفدية ) .
حاول مصطفى النحاس خليفته ان يسير على نهجه في البداية لكنه لم يكن يملك صلابة سعد زغلول بالاضافة لميله لحياة الرغد والترف .
بدأت بعد وفاة سعد زغلول مرحلة مهادنة الاستعمار ، استمرت تلك المرحلة حتى توقيع معاهدة 1936 ، في ذلك العام شعرت بريطانيا بان الحرب مع هتلر قادمة لامحالة فضغطوا على الدول عديمة الارادة مثل مصر بمعاهدات ملزمة للاصطفاف مع بريطانيا وقت الحرب .
وبتوقيع معاهدة 1936 بدأت مرحلة التعايش مع الاستعمار ( نصت المعاهدة على حد اقصى لايتجاوز عشرة الاف فرد في قاعدة قناة السويس ، وبعد ثورة يوليو نجح بعض الوطنيين في الحصول على وثائق من ارشيف القاعدة اثبتت ان العدد ثمانين الفا من القوات البرية بخلاف خمسة الاف من البحرية والطيران ) .
بدأ الشارع يسبق نخبه التي لا أمل فيها حتى عام 1942 ، بعد حادث فبراير 1942 وحصار الجيش البريطاني لقصر عابدين واجبار الملك على تعيين النحاس باشا الذي وقع معهم معاهدة 1936 رئيسا للوزارة بدأت مرحلة الاستفادة من الاستعمار واصبحت النخب المصرية تتهافت على رضاء الاستعمار واصبحت مطالب النخب في الجلاء شكلية وتجاوز الشارع نخبه بشكل كبير لان تلك النخب صاحبة المزايا والنفوذ المرتبط بالاحتلال لم تعد تمثله .
يعتبر الكتاب الاسود الذي اصدره مكرم عبيد بعد خلافه مع النحاس باشا وثيقة فاضحة لحال النخب المصرية خلال تلك الفترة .
ووفقا لوثائق الخارجية البريطانية التي افرج عنها في الثمانينات خطاب من السفير البريطاني السير رالف ستيفينسن الى وزير الخارجية البريطاني في يوليو 1950 عن نتائج اجتماعاته مع الملك والنخب المصرية حيث كتب ( ان الملك لايريد خروجا كاملا للجيش البريطاني لانها السند له ضد الشيوعيين والاتحاد السوفيتي اذا تحرك عسكريا ضد مصر والذي لا يتعاطف مع النظم الملكية وكذلك فؤاد سراج الدين الذي يرى ان تواجدا بريطانيا عسكريا ولو بصفة رمزية يعتبر امرا هاما في المرحلة القادمة اما عبود باشا اكبر رجل اعمال فيريد منا البقاء وعدم المغادرة ، الوحيد الذي يطالب بخروجنا الكامل هو وزير الخارجية محمد صلاح الدين ) .
كان هذا هو حال النخب المصرية بعد غياب سعد زغلول حيث خذله تلاميذه من بعده و كانوا امام الشعب يتحدثون باسلوب يختلف عن حديثهم مع المستعمر في الغرف المغلقة .
التاريخ المصري خاصة الحديث جدير بالدراسة كي نستنبط منه العبر والدروس ويجب ان يكون محط اهتمام شبابنا لان من يخطط للمستقبل يجب ان يعي ويستوعب تاريخه .









































