الدكتور يسري الشرقاوي يكتب .. الوقاية من التعثر
كل بضع سنوات يتبدل وزيرا ، ويتبدل أحيانا محافظ البنك المركزي، وتبقى الجملة واحدة: «سنعيد تشغيل المصانع المتعثرة». يفتتح الموسم بمبادرة، ويمتلئ الإعلام بالوعد، ثم يهدأ الملف إلى أن يعود مع وجه جديد.
وفي الأول من أكتوبر 2026 أطلق صندوق لإعادة هيكلة هذه المصانع برأسمال مليار جنيه، أي نحو 19 مليون دولار. المبلغ يبدو كبيرًا في العنوان، لكنه إذا وزع على آلاف المصانع لا يكفي لإصلاح خط إنتاج واحد.
لا أحد ينكر أن سنوات 2011–2014 أوقفت مصانع عن التصدير والتشغيل لسبب خارج إرادتها. لكن اثني عشر عامًا مرت، وما زال ذلك الظرف القديم غطاء لحالات لم تفحص. الناس تقبل أن تساعد دولة مصنعا ضربه ظرف قاهر. ولا تقبل أن يتحوّل «التعثر» إلى سلعة إعلامية تباع كل موسم، من دون أن نعرف من تعثر ولماذا.
التعثر ليس مرضا واحدا. بعضه غلاء الدولار الذي أكل رأس المال الذي تشترى به الخامات. وبعضه ارتفاع الطاقة واضطراب الاستيراد.
لكن جزءا كبيرا منه صناعي لا سياسي: دراسة جدوى كتبت لتبرير القرض لا لتقرأ السوق، مال بنك استخدم في غير المصنع، إدارة لا تحسن التسعير ولا التحصيل، صاحب مشروع غاب عن مصنعه، وقراءة خاطئة للطلب. من دون فصل هذه الأسباب، يصبح الدعم إنقاذا لمن نجح ولمن فشل ولمن أساء في سلة واحدة.
الأرقام الرسمية نفسها غير متفقة. في أواخر 2024 قيل إن المتوقف نحو 5800 مصنع قائم، إضافة إلى 5500 مشروع تعثر أثناء البناء.
وفي 2025 تحدثت هيئة التنمية الصناعية عن 13 ألفا، ثم أعلن حصر 7422 مصنعا أعيد تشغيل 987 منها. وبعدها عاد الحديث إلى 11 ألفا، بقي منها 6 آلاف في ضائقة مالية. اتحاد الصناعات قال إن العدد يتجاوز 20 ألفًا إذا جُمع التوقف الكلي والجزئي.
لا قائمة منشورة تقول كم عاملا في هذه المصانع، ولا كم دولارا فيها، ولا أيها سقط بسوء إدارة وأيها بسعر الصرف. وإذا قُسم مليار الصندوق على 6 آلاف مصنع، جاء نصيب الواحد نحو 3200 دولار. هذا رقم تهدئة، لا رقم إصلاح.
العالم لا يعالج هذا الملف بالشعار. يعالجه برقم سنوي، وسبب مكتوب، وأجل ينتهي.
ألمانيا مثلا لا تنتظر حتى يقفل المصنع أبوابه. القانون يلزم الشركة أن تنذر مبكرا إذا رأت أنها لن تستطيع السداد، ثم يتيح لها ترتيب ديونها قبل الانهيار.
وفي 2025 دخلت المحاكم 24064 شركة متعثرة، أي أكثر من العام السابق بنحو العشر، بعد عامين ارتفع فيهما العدد أكثر من الخُمس كل سنة. ديون هذه الشركات قاربت 48 مليار يورو. من يُصلَح يعود، ومن لا يُصلَح يُغلق، ولا يبقى اسمه سنوات على قائمة «جارٍ الإنقاذ».
إسبانيا أوضحت في 2024 أن كثرة الإجراءات لا تعني كثرة الإنقاذ. سجل 9015 إجراءً، وهو أعلى رقم في عشر سنوات، أغلبها في التجارة والبناء والمطاعم والفنادق. أكثر من 95 من كل 100 حالة انتهت ببيع الأصل وتصفيته، لا بإبقاء المالك نفسه في الإدارة. الرسالة بسيطة: الخطة تجرّب مرة، فإن فشلت يخرج الأصل إلى مستثمر قادر.
الهند تبدأ العد قبل الانهيار. إذا تأخر سداد الشركة 30 يوما تراقب، وعند 60 و90 يوما تشتد الرقابة. ومنذ قانون 2016 دخلت 8833 شركة مسارا قضائيا: نقلت 1376 منها إلى خطة تشغيل جديدة، وأمرت 2952 بالتصفية. في السنة المالية الأخيرة وحدها دخلت 733 شركة.
الدائن لا يسترد كل ماله، بل نحو ثلث مطالباته، لكن المصنع لا يظل معلقا بلا مالك ولا قرار. متوسط إغلاق الملف نحو عامين، لا اثني عشر عاما من البيانات.
تركيا لم تخف الموجة. في 2025 أفلست 247 شركة بحكم محكمة، أي قرابة ضعف العام السابق، وطلبت 2817 شركة حماية مؤقتة من الدائنين كي تعيد ترتيب ديونها.
المحاكم منحت الحماية النهائية لـ1708 شركات، ورفضت 1460 خطة، ولم تعتمد إلا 129 خطة. خلال 11 شهرا أغلقت نحو 26 ألف شركة، بزيادة تقارب 9%، وأكثر الإغلاق في التجارة والبناء. الحماية هنا مهلة تحت عين المحكمة، لا شيكًا مفتوحا.
تايوان تسلك طريقا أسبق. إفلاس المصنع أمام المحكمة نادر، لأن البنك وصندوق ضمان المنشآت الصغيرة يتدخلان قبل القفل: ضمان محدود لمن يثبت أن مصنعه قادر على الحياة، وتسوية مبكرة، وإخراج المدير المهمل من القرار. السياسة هناك ترقية المصنع، لا تمديد عمر خطأ التمويل.
من هذه التجارب يخرج الدرس نفسه: النزيف يقف إذا عرف العدد، وفصل الظرف القاهر عن سوء الإدارة، واستُبدلت الإدارة الفاشلة، وأغلق الملف الميئوس منه في أجل معلوم.
وعشر خطوات تكفي للبدء. سجل عام ينشر كل ثلاثة أشهر: اسم المصنع، سبب توقفه، عدد عماله، وحجم أمواله بالدولار. لا قرض جديد بلا دراسة جدوى من مكتب مستقل عن صاحب الطلب.
فصل من ضربه الدولار أو الوباء عمن أساء استخدام الائتمان. نقل الإدارة إلى أمين هيكلة لمدة محددة، لا إنقاذ المالك الفاشل بالمال العام. حق البنك في تغيير الإدارة خلال تسعين يوما إذا توقف السداد بلا سبب قاهر.
ضمان جزء من القرض فقط إذا ارتفع الإنتاج، لا إذا جدل الدين. سوق منظمة تربط المصنع القابل للحياة بمستثمر يشغله خلال ستة أشهر. إنذار مصرفي عند ثلاثين وستين وتسعين يوما، كما تفعل الهند. صندوق بحجم المشكلة لا بمليار جنيه أمام آلاف المصانع.
وبعد عام، حساب علني: كم مصنعا عاد، وكم وظيفة ثبتت، وكم دولار تصدير أضيف.
التعثر ملف إنتاج لا عنوان حلقة. من لم نعرف سبب سقوطه لن ننهض به، ومن أنقذ بلا شرط سيتعثر مرة أخرى، وستعود الحقائب، ويعود المصطلح، وتستمر التجارة به.
كاتب المقال: رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة










































