شهر اغسطس في ذاكرة الوطن.
بقلم لواء دكتور: صفوت الديب
الخبير الاستراتيجي
ينفرد شهر اغسطس في الذاكرة الوطنية المصرية بحدثين هامين ، الاول هو وفاة محمد علي مؤسس مصر الحديثة عام 1849 والثاني هو وفاة الزعيم الوطني سعد زغلول 1927 .

اسس محمد علي دولة حديثة عصرية بمقاييس القرن التاسع عشر وهو صاحب منظومة الزراعة والري والصرف الموجودة الان وبانشاء القناطر الخيرية ( السد العالي الصغير) اصبحت الدلتا تزرع طوال العام واصبحت الارض الزراعية تقترب من عدد سكان مصر في ذلك الزمان( اكبر قليلا من ثلاثة ملايين فدان) وانشأ الجيش المصري الحديث وبعد فشل جيشه جند ابناء الفلاحين حيث كانوا قوام الجيش عدا كبار القادة لاول مرة من عصر الفراعنة ، انشأ الكلية الحربية عام 1811 ( اقدم معهد عسكري في الشرق الاوسط ) واقتربت الصناعة المصرية الثقيلة من مستوى الصناعة الاوروبية ، ما الذي تسبب في انتكاسة مشروعه ؟ .
سجلت الارض الزراعية بالكامل باسمه واصبح هو المالك الوحيد لها والكل يعمل عنده ثم في مرحلة لاحقة وزع مساحات كبيرة لاهله وحاشيته الامر الذي تسبب في اكبر مشكلة اجتماعية شهدتها مصر طوال تاريخها حيث اصبح معظم الفلاحين اجراء عند اشخاص دخلاء ولم يصلح ذلك توزيع نسبة محدودة من الارض على بعض المصريين في مرحلة لاحقة اثناء حكم سعيد واسماعيل ، الامر الذي استوجب اجراءات بدت قاسية عندما قامت ثورة يوليو رأها البعض ظالمة في قانون الاصلاح الزراعي لاعادة حقوق الفلاحين المعدمين.
ومن العجب انه بعد ترك مائتي فدان لكل مالك ومائة فدان لاولاده تم توزيع نصف مليون فدان جمعوا من 320 شخص على مائة الف اسرة دون التعرض للملكيات الاقل من مائتي فدان مما يظهر حجم الظلم الاجتماعي الذي اسسه محمد علي.
كما تسببت نفس السياسات في تكوين نسبة محدودة جدا من الافراد ومعظمهم ذو اصول غير مصرية لثروات مالية طائلة لايمكن تكوينها بطرق مشروعة الامر الذي تسبب في قرارت تاميم لاحقة لاعادة الامور لنصابها تبدو بمقاييس اليوم ظالمة لكن لايجب الحكم بمقاييس اليوم على تلك الفترة .
رغم ان مشروع محمد علي كان لنهضة مصر لكنه ايضا كان ليستأثر بمقدراتها بكل اسف ، لقد كان ابراهيم باشا ابن محمد علي اعظم قائد شهدته المنطقة العربية والذي انتصر في كل حروبه حتى في اوروبا وتخرج من الكلية الحربية في اول دفعة عام 1811 على يد مؤسس الجيش المصري الحديث سليمان باشا الفرنساوي ( جوزيف سيف ) وكان جيشه من ابناء الفلاحين والذي حقق النصر في كل معاركه ولا يتسع المجال لذكرها لكن محمد علي رفض ان يصل اي مصري للوظائف العليا وان يكون كبار القادة من الاتراك والشراكسة والالبان ويبقى المصريون في الرتب المتوسطة والصغيرة والجنود رافضا بشدة الحاح ابنه .
انتهى مشروع محمد على بتوقيع معاهدة لندن عام 1940 والتي اجبرته ان يترك كل الاراضي التي قاتل من اجلها جيش ابناء الفلاحين فقدنا خلالهاعشرات الالاف من خيرة شباب مصر وان يبقى داخل مصر والسودان هو واولاده من بعده وان يدفع جزية سنوية كبيرة للسلطان العثماني وان تعود مصر تابعة للسلطنة العثمانية.
لم يكن الضغط العسكري البريطاني كبيرا لكي يجبر محمد علي على توقيع تلك المعاهدة لكن المشكلة تكمن في انه لم ينبت من تراب هذا الوطن وشعوره الداخلي انه دخيل على هذا البلد جعله يرضخ في اول معضلة حقيقية تواجهه ولو تلقى هزيمة تعادل 1967 بالتاكيد كان سيعلن الاستسلام على الفور ، نفس ما حدث مع الملك فاروق الذي تظهر الوثائق انه استنجد بالسفارة البريطانية والامريكية ولم تنجده ثم وقع سريعا على وثيقة التنازل على العرش دون مقاومة ثم ذكر انه لم يرد اراقة الدماء ! ، وهنا تظهر اهمية ان يحكم الدولة نفر من ابنائها .










































