عقد ذهبي.. ومستقبل واعد
بقلم: د. يسري الشرقاوي
شهدت العلاقات المصرية-الصينية تحولاً نوعياً منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم عام 2014، حتى باتت توصف بـ«العقد الذهبي». فقد ارتقت من مستوى التعاون التقليدي إلى شراكة استراتيجية شاملة، مدفوعة برؤية مشتركة للتنمية والاستقرار في ظل تحولات جيوسياسية عالمية معقدة.
وقبل عام 2014، وتحديداً في الفترة من 1990 إلى 2014، اتسمت العلاقات بالاستقرار والاحترام المتبادل مع زيارات محدودة، حيث زار الرئيس الأسبق حسني مبارك الصين ست مرات خلال ثلاثين عاماً. أما منذ 2014 وحتى 2026، فقد قام الرئيس السيسي بثماني زيارات رسمية إلى الصين، والتقى نظيره شي جين بينغ نحو ثلاث عشرة مرة (بما في ذلك اللقاءات على هامش القمم الدولية). في المقابل، زار الرئيس الصيني مصر مرة واحدة في يناير 2016، وهو ما يعكس بوضوح أولوية هذه العلاقة لدى الجانبين وعمق التواصل السياسي الذي لم يكن مسبوقاً في تاريخ البلدين.
وقد أثمر هذا الزخم الدبلوماسي عن عشرات الاتفاقيات الثنائية الحصرية، أبرزها رفع مستوى العلاقات إلى «شراكة استراتيجية شاملة» في ديسمبر 2014، ثم تعميقها في 2024 نحو بناء مجتمع مصير مشترك في العصر الجديد. وإلى جانب ذلك، انضم البلدان إلى أطر متعددة الأطراف مهمة، أبرزها منتدى التعاون الصيني-الأفريقي (FOCAC)، ومنتدى التعاون العربي-الصيني، ومجموعة بريكس (انضمت مصر رسمياً مطلع 2024)، وبنك التنمية الجديد (NDB) الذي انضمت إليه مصر سابقاً.
وفي هذا السياق، يفتح انضمام مصر إلى بريكس آفاقاً إيجابية يمكن استغلالها عبر نقاط محددة، منها تنويع مصادر التمويل بعيداً عن الاعتماد الأحادي، وتعزيز التجارة البينية بالعملات المحلية لتقليل ضغط الدولار، ونقل التكنولوجيا الصناعية والرقمية، ودعم المشروعات المشتركة في الطاقة المتجددة والبنية التحتية، فضلاً عن تعزيز الصوت الجماعي للدول النامية في المؤسسات الدولية.
وعلى صعيد التبادل التجاري، تضاعف الحجم تقريباً منذ 2014. كان حجم التجارة حوالي 7.6 إلى 11 مليار دولار آنذاك، ووصل إلى نحو 14-16 مليار دولار في 2023-2024، ثم تجاوز 18-20 مليار دولار في بعض التقديرات لعام 2025. غير أن الميزان يميل بقوة لصالح الصين، إذ بلغت صادراتها إلى مصر نحو 15-18 مليار دولار مقابل صادرات مصرية تراوحت بين 400 مليون ومليار دولار في السنوات الأخيرة، مما يترك عجزاً تجارياً كبيراً يحتاج إلى معالجة عبر زيادة الصادرات المصرية ذات القيمة المضافة.
أما الاستثمارات الصينية في مصر فقد تجاوزت 8 إلى 10 مليارات دولار بحلول 2025-2026، مع وجود أكثر من 2800 شركة صينية. وتتركز معظمها في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، حيث تمثل الاستثمارات الصينية نحو 40-50% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية هناك بقيمة تتجاوز 3-3.8 مليار دولار. وتُعد مصر من أكبر المتلقين للاستثمارات الصينية في أفريقيا، حيث يقدر رصيد الاستثمارات الصينية في القارة بنحو 40-44 مليار دولار، مما يجعل حصة مصر نسبة معتبرة ومؤثرة ضمن أبرز الوجهات.
وبالنظر إلى المستقبل، يحمل التعاون فرصاً كبيرة. يمكن للصين ضخ استثمارات إضافية في مجمعات صناعية متكاملة (مثل مشروعات المعادن والصلب التي تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات)، ومصانع السيارات والأجهزة المنزلية، والطاقة المتجددة، والمدن النسيجية، واللوجستيات. وتشير التقديرات إلى إمكانية جذب 10-15 مليار دولار إضافية خلال السنوات القادمة إذا توفرت الحوافز والتشريعات الجاذبة، خاصة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والعاصمة الإدارية الجديدة.
وفي ظل التوترات الجيوسياسية المعقدة بين الخليج وإيران، والانخراط الأمريكي والإسرائيلي في أزمات المنطقة، تكتسب زيارة محتملة للرئيس الصيني إلى مصر أهمية استراتيجية مضاعفة. فالصين تبحث عن شركاء مستقرين ومحايدين نسبياً، ومصر تمثل نقطة ارتكاز مثالية بفضل موقعها الجغرافي الفريد الذي يربط أفريقيا وآسيا وأوروبا، وقناة السويس كشريان عالمي، واستقرارها السياسي النسبي. ومن هنا يمكن لمصر أن تتحول إلى محطة رئيسية في سلاسل الإمداد الصينية للمنتجات الوسيطة نحو أفريقيا وأوروبا، ومنطقة لوجستية كبرى، ومركزاً لتصنيع وتجميع المنتجات الصينية بعمالة مصرية مدربة.
ويمكن لمصر استغلال هذه الزيارة لتحقيق نقلة نوعية في الصناعة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة من خلال جذب استثمارات صينية مباشرة في المناطق الصناعية، ونقل تكنولوجيا التصنيع والرقمنة، وإنشاء برامج تدريب مشتركة، وتشجيع الشراكات بين الشركات الصينية والمصرية الصغيرة، وتوطين صناعات مثل الإلكترونيات والسيارات والطاقة النظيفة.
وأخيراً، يبرز بنك التنمية الجديد كبديل واعد لصندوق النقد الدولي، فهو يركز على تمويل البنية التحتية والتنمية المستدامة بشروط أقل تشدداً، وآليات أكثر مرونة، وضمانات تراعي خصوصية الدول النامية، دون الشروط السياسية والاقتصادية الصارمة التي غالباً ما ترافق برامج الصندوق. ويمكن لمصر أن تدفع نحو تمويل مشروعات استراتيجية عبر البنك بأسعار فائدة تفضيلية وآجال أطول.
وهكذا، فإن الشراكة المصرية-الصينية في عهد السيسي لم تعد مجرد علاقات ثنائية تقليدية، بل أصبحت ركيزة استراتيجية يمكن أن تعيد تشكيل دور مصر الإقليمي والعالمي إذا أُحسن استثمارها بذكاء وواقعية.
كاتب المقال
رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة










































