مصر في بريكس 2026: من العضوية إلى صناعة الفرص الاقتصادية .. قراءة في دلالات المشاركة المصرية في منتدى أعمال بريكس بنيودلهي
تمثل مشاركة مصر في منتدى أعمال بريكس 2026 الذي عقد في نيودلهي في 11 سبتمبر، قبيل قمة قادة بريكس يومي 12 و13 سبتمبر، خطوة مهمة في مسار الانتقال من المشاركة السياسية في التجمع إلى التوظيف الاقتصادي لعضوية مصر، خاصة في مجالات التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا.
وتنبع أهمية بريكس من وزنه المتزايد في الاقتصاد العالمي؛ فالتجمع، بعد توسعه إلى 11 دولة، يمثل قرابة نصف سكان العالم ونحو 40% من الاقتصاد العالمي وفق تقديرات حديثة.
كما أصبحت قضايا التجارة وسلاسل الإمداد والمدفوعات والتعاون التكنولوجي من الملفات الرئيسية على أجندته الاقتصادية.
مؤشر رقمي مهم: التجارة المصرية مع بريكس
تكشف البيانات التجارية عن تنامي أهمية بريكس بالنسبة للاقتصاد المصري.
فقد ارتفع حجم التجارة بين مصر ودول بريكس إلى 36.7 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مقابل 29.3 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة قدرها 25.5%.
هذا التطور يحمل دلالتين اقتصاديتين مهمتين:
الأولى: أن عضوية مصر في بريكس بدأت تتزامن مع نمو ملموس في العلاقات التجارية.
والثانية: أن هناك مجالاً واسعاً لتعظيم العائد من هذه العلاقات، بحيث لا يقتصر الأمر على زيادة حجم التجارة، وإنما يتجه إلى تحسين هيكلها من خلال زيادة الصادرات المصرية والاستثمارات المشتركة والقيمة المضافة المحلية.
وتشير بيانات عام 2025 إلى أن إجمالي التجارة المصرية مع دول بريكس بلغ نحو 53.5 مليار دولار، وهو ما يؤكد أن دول التجمع أصبحت بالفعل أحد المكونات المهمة لخريطة التجارة الخارجية المصرية.
ومن ثم فإن الهدف الاستراتيجي لمصر ينبغي ألا يكون مجرد زيادة الرقم الإجمالي للتجارة، وإنما رفع نسبة الصادرات المصرية داخل هذا الرقم وتقليص الاختلال التجاري تدريجياً من خلال الإنتاج والتصدير والشراكات الصناعية.
المشاركة المصرية: من التمثيل إلى الدبلوماسية الاقتصادية
اكتسبت المشاركة المصرية في منتدى الأعمال أهمية إضافية من مستوى التمثيل المباشر لمجتمع الأعمال، حيث ترأس الوفد أحمد الوكيل، رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية ورئيس اتحاد غرف التجارة والصناعة والزراعة والمهن الإفريقية، وضم الدكتور شريف الجبلي، والأستاذ أيمن العشري، والدكتور علاء عز.
وتعكس هذه المشاركة اتجاها مهما يتمثل في تعزيز دور القطاع الخاص والغرف التجارية في تنفيذ ما يمكن تسميته الدبلوماسية الاقتصادية؛ أي تحويل العلاقات السياسية والاتفاقيات الدولية إلى تجارة واستثمار وشراكات إنتاجية.
وهذا الدور أصبح أكثر أهمية في ضوء توجه بريكس نحو تعزيز التجارة البينية ومرونة سلاسل الإمداد وتطوير أنظمة المدفوعات والتعاون التكنولوجي. وقد شهد منتدى الأعمال دعوات إلى زيادة استخدام العملات المحلية وربط أنظمة المدفوعات بين دول بريكس، بما يخدم سرعة وأمان وكفاءة التجارة البينية.
مصر والهند: نموذج قابل للتوسع
تكتسب المشاركة المصرية في المنتدى أهمية خاصة في ضوء الخطوة المؤسسية التي شهدها على هامشه، والمتمثلة في توقيع اتفاق للتعاون بشأن إنشاء غرفة تجارة مشتركة مصرية-هندية.
وتتجاوز أهمية هذه الخطوة مجرد إنشاء إطار مؤسسي جديد؛ إذ يمكن أن تصبح الغرفة منصة عملية لربط الشركات المصرية والهندية، وتحديد الفرص الاستثمارية والتصديرية، ودعم المشروعات المشتركة.
وتكتسب الشراكة مع الهند أهمية استراتيجية لمصر باعتبارها إحدى أكبر اقتصادات بريكس وأكثرها ديناميكية، وبما تملكه من قدرات في التكنولوجيا والصناعة والدواء والخدمات والاقتصاد الرقمي.
والأهم أن التعاون المصري-الهندي يمكن ألا يقتصر على التجارة الثنائية، وإنما يمكن أن يتطور إلى شراكات ثلاثية تستفيد من مصر كقاعدة للإنتاج والتصدير إلى الأسواق العربية والأفريقية.
من التجارة إلى سلاسل القيمة
تتمثل الفرصة الأكبر أمام مصر في الانتقال من نموذج «التجارة مع بريكس» إلى نموذج «الإنتاج مع بريكس».
فمصر تمتلك عناصر جاذبة للشراكات الإنتاجية، من بينها موقعها الجغرافي، وقناة السويس، وشبكة الموانئ والمناطق الاقتصادية، إضافة إلى ارتباطها بالأسواق العربية والأفريقية.
وفي المقابل، تمتلك دول بريكس رؤوس أموال وأسواقاً ضخمة وقدرات تكنولوجية وصناعية متقدمة.
ومن هنا يمكن بناء نموذج اقتصادي يقوم على:
استثمار من دول بريكس + إنتاج في مصر + قيمة مضافة مصرية + تصدير إلى أفريقيا والعالم العربي.
وهو نموذج يمكن أن يحقق عائداً أكبر للاقتصاد المصري من مجرد زيادة الواردات والصادرات الثنائية.
الخلاصة
تكشف المشاركة المصرية في منتدى أعمال بريكس 2026 عن فرصة تتجاوز حدود المشاركة في تجمع اقتصادي دولي؛ فهي تتيح لمصر إعادة صياغة جزء من علاقاتها الاقتصادية الخارجية على أساس أكثر تنوعاً ومرونة.
وتشير الزيادة البالغة 25.5% في تجارة مصر مع بريكس خلال النصف الأول من 2026 إلى أن المجال الاقتصادي للتعاون يتسع بالفعل.
لكن التحدي الحقيقي هو تحويل هذا النمو التجاري إلى نمو في الصادرات والاستثمار والإنتاج والقيمة المضافة.
وفي هذا الإطار، يمثل تأسيس الغرفة التجارية المصرية-الهندية نموذجا عمليا يمكن البناء عليه، من خلال إنشاء شبكة مؤسسية تربط مجتمع الأعمال المصري بنظرائه في دول بريكس.
وعليه، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تنتقل بمصر من «عضوية بريكس» إلى «الاستفادة الاقتصادية من بريكس»، ومن المشاركة في المنتديات إلى صناعة المشروعات، ومن زيادة التجارة إلى بناء سلاسل القيمة.
وهنا يكمن الدور الاستراتيجي لمجتمع الأعمال المصري: أن يصبح شريكاً فاعلا في تحويل المكانة المصرية داخل بريكس إلى صادرات واستثمارات وشراكات إنتاجية وفرص عمل ونمو اقتصادي مستدام.










































