تتحرك العلاقات الاقتصادية بين مصر واليونان خلال الفترة الحالية من نطاق التجارة التقليدية إلى البحث عن فرص أوسع للإنتاج المشترك والتصدير إلى أسواق ثالثة، في وقت تستفيد فيه الشركات من الموقع الجغرافي لمصر وشبكة الاتفاقيات التجارية التي تربطها بعدد من الأسواق الإقليمية والدولية.
وكشفت التحركات المصرية خلال الدورة التسعين لمعرض تسالونيكي الدولي في اليونان عن تركيز واضح على تحويل اللقاءات بين الشركات إلى مشروعات وشراكات تجارية واستثمارية، بدلًا من الاكتفاء بعرض المنتجات المصرية أمام المستوردين.
خمس شركات مصرية شاركت في معرض تسالونيكي الدولي في اليونان
شارك خمس شركات مصرية في المعرض، بينما كثف مكتب التمثيل التجاري المصري في أثينا لقاءاته مع الشركات والغرف التجارية ومؤسسات الأعمال اليونانية لبحث زيادة التجارة والاستثمار وفتح قنوات جديدة أمام المنتجات المصرية.
وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة مع وصول حجم التجارة بين مصر واليونان إلى نحو ملياري دولار، إلى جانب وجود أكثر من 200 شركة يونانية تعمل في السوق المصرية، وهو ما يعكس وجود قاعدة بالفعل يمكن البناء عليها خلال المرحلة المقبلة.
ويتمثل التطور الأهم في طرح فكرة الإنتاج المشترك الموجه إلى أسواق ثالثة، بحيث لا يكون الهدف النهائي من الاستثمار اليوناني في مصر هو خدمة السوق المحلية فقط، وإنما استخدام القدرات الإنتاجية المصرية للوصول إلى أسواق أخرى في أفريقيا والدول العربية وأوروبا ومنطقة البلقان.
فكرة الإنتاج المشترك الموجه إلى أسواق ثالثة تمنح مصر ميزة تتجاوز حجم السوق المحلي
تمنح هذه الفكرة مصر ميزة تتجاوز حجم السوق المحلي، إذ يستطيع المستثمر الاستفادة من موقع الدولة واتفاقيات التجارة الحرة والتفضيلية التي تسمح للمنتجات المصنعة في مصر بالنفاذ إلى عدد من الأسواق بشروط أكثر تنافسية.
وتظهر شركة «ألوميل» اليونانية نموذجًا لهذا الاتجاه، بعدما ناقش الجانب المصري مع الشركة خطط توسع استثماراتها وزيادة طاقتها الإنتاجية في مصر، مع إمكانية استخدام السوق المصرية كقاعدة للتصدير إلى أفريقيا والمنطقة العربية وأوروبا والبلقان.
وتكشف هذه التحركات عن تغيير مهم في طريقة النظر إلى الاستثمار الأجنبي، فالمعيار لم يعد فقط حجم الأموال التي تدخل الدولة، وإنما ما إذا كان المشروع قادرًا على خلق قيمة مضافة وزيادة الإنتاج وفتح أسواق جديدة أمام المنتج المصنوع في مصر.
مصر تحتاج إلى الاستثمارات في القطاعات التي تستطيع فيها الشركات المحلية والأجنبية العمل معا لإنتاج سلع ذات قدرة تنافسية أعلى
تحتاج مصر إلى هذا النوع من الاستثمارات بصورة خاصة في القطاعات التي تستطيع فيها الشركات المحلية والأجنبية العمل معا لإنتاج سلع ذات قدرة تنافسية أعلى، خاصة أن الوصول إلى الأسواق الخارجية يتطلب الالتزام بمواصفات ومعايير وتكاليف لوجستية وشبكات توزيع قد يصعب على بعض الشركات الصغيرة التعامل معها منفردة.
وتساعد الشراكات مع شركات تمتلك خبرة في الأسواق الخارجية على اختصار جزء من هذه المسافة، خصوصًا عندما يكون المستثمر الأجنبي لديه شبكة عملاء وموزعين في الدول المستهدفة.
وتعمل مكاتب التمثيل التجاري المصرية في الخارج على لعب دور حلقة الوصل بين الشركات المصرية والمستثمرين والمستوردين، من خلال التعرف على احتياجات الأسواق والتعريف بالفرص الاستثمارية والتصديرية المتاحة.
التحركات في اليونان تشير إلى أن الدور أصبح أكثر ارتباطا بفكرة السوق الثالث
تشير التحركات في اليونان إلى أن هذا الدور أصبح أكثر ارتباطا بفكرة «السوق الثالث»، أي جذب استثمارات إلى مصر لا تستهدف فقط بيع المنتج داخل البلاد، وإنما تصنيعه محليًا وإعادة تصديره إلى دول أخرى.
وتفتح هذه المعادلة فرصة أمام الاقتصاد المصري لزيادة الاستفادة من الاستثمارات الأجنبية، لأن المصنع الذي ينتج داخل مصر ويصدر إلى الخارج يضيف أكثر من قيمة إلى الاقتصاد في الوقت نفسه، من خلال الإنتاج والتشغيل والتصدير والخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد.
وتبرز هنا أهمية الصناعات التي يمكن نقل جزء من مراحل إنتاجها إلى مصر ثم توجيه المنتجات إلى الأسواق الخارجية، خاصة القطاعات التي تعتمد على قرب الأسواق وتكلفة النقل والقدرة على الوصول السريع إلى العملاء.
مصر واليونان تبحثا عن زيادة تدفق الاستثمارات والتعاون بين مجتمعي الأعمال
تبحث مصر واليونان كذلك عن زيادة تدفق الاستثمارات والتعاون بين مجتمعي الأعمال، وهو ما يعني أن الفترة المقبلة قد تشهد انتقالًا من مرحلة الاتصالات واللقاءات التجارية إلى مشروعات أكثر تحديدًا إذا نجحت المفاوضات الحالية في الوصول إلى اتفاقات تنفيذية.
وتحتاج هذه المرحلة إلى متابعة نتائج اللقاءات التي جرت خلال المعرض، لأن القيمة الاقتصادية الحقيقية لا تتحقق بمجرد المشاركة في الفعاليات الدولية، وإنما عندما تتحول الاجتماعات إلى عقود تصدير واستثمارات وخطوط إنتاج وشراكات مستمرة.
وبالنسبة إلى «منصة سوق المال»، فإن أهمية هذا الملف تتجاوز العلاقات المصرية اليونانية نفسها، لأنه يقدم نموذجًا لطريقة يمكن من خلالها تحويل الموقع الجغرافي لمصر واتفاقياتها التجارية إلى عنصر جذب للاستثمار الصناعي والتصديري.
المعادلة تصبح أكثر وضوحا عندما يجتمع الاستثمار الأجنبي مع الإنتاج المحلي والتصدير
تصبح المعادلة أكثر وضوحا عندما يجتمع الاستثمار الأجنبي مع الإنتاج المحلي والتصدير؛ فبدلا من أن تكون مصر مجرد سوق للمنتجات الأجنبية، يمكن أن تتحول إلى مركز إنتاج يخدم مجموعة أوسع من الأسواق.
ومع استمرار التحركات التجارية بين البلدين، يبقى السؤال الأهم هو قدرة مصر على تحويل هذه الشراكات إلى طاقات إنتاجية جديدة وصادرات فعلية، لأن نجاح النموذج لن يقاس بعدد الشركات المشاركة في المعارض، وإنما بحجم الاستثمارات التي تدخل مرحلة التنفيذ وقيمة المنتجات التي تجد طريقها إلى أسواق جديدة.
وقد تمثل اليونان في هذا السياق بوابة مهمة نحو جنوب شرق أوروبا والبلقان، وفي الوقت نفسه منصة للتعاون مع مستثمرين يمكنهم الاستفادة من موقع مصر للوصول إلى أسواق أفريقيا والمنطقة العربية، وهو ما يمنح الشراكة الاقتصادية بين البلدين مساحة أكبر من مجرد زيادة حجم التجارة الثنائية.










































