لم تعد المحافظ الإلكترونية في مصر مجرد وسيلة لتحويل الأموال أو شحن رصيد الهاتف، بعدما تحولت خلال فترة قصيرة إلى قناة مالية ضخمة تمر عبرها تريليونات الجنيهات، في مؤشر يعكس تغيرًا تدريجيًا في طريقة تعامل الأفراد مع أموالهم وخدماتهم اليومية.
وكشف تقرير الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات عن وصول عدد المحافظ الإلكترونية التابعة لشركات الاتصالات إلى نحو 57.01 مليون محفظة خلال النصف الأول من 2026، مقارنة بـ46.33 مليون محفظة في الفترة نفسها من العام الماضي، بزيادة سنوية بلغت 23%.
عدد العمليات المالية المنفذة عبر المحافظ الإلكترونية قفز إلى 2.22 مليار عملية
أوضح التقرير أن عدد العمليات المالية المنفذة عبر هذه المحافظ قفز إلى 2.22 مليار عملية خلال أول 6 أشهر من العام، مقابل 1.37 مليار عملية خلال الفترة المقابلة من 2025، بنمو بلغ 62%، بينما ارتفعت القيمة الإجمالية للمعاملات إلى 2.96 تريليون جنيه، بزيادة 56% عن 1.90 تريليون جنيه قبل عام.
وتكشف هذه الأرقام أن التحول الرقمي في التعاملات المالية لم يعد مرتبطا فقط بامتلاك حساب مصرفي تقليدي، فالمحفظة الموجودة على الهاتف أصبحت بالنسبة لقطاع واسع من المستخدمين أداة لتحريك الأموال بصورة يومية، سواء في التحويل أو الإيداع أو السحب أو سداد بعض الالتزامات.
تحويل الأموال من محفظة إلى أخرى استحوذ على 54% من عدد العمليات
تشير تفاصيل الاستخدام إلى أن تحويل الأموال من محفظة إلى أخرى استحوذ على 54% من عدد العمليات، بينما جاء شحن رصيد الهاتف والإنترنت في المرتبة الثانية بنسبة 25%، ثم الإيداع بـ13%، والسحب بـ4%، والمدفوعات الأخرى مثل الفواتير والتسوق والتبرعات بـ4%.
لكن الأهم من عدد العمليات هو حجم الأموال التي تتحرك من خلالها؛ إذ استحوذت التحويلات بين المحافظ على 67% من قيمة المعاملات، بينما سجلت عمليات الإيداع 17% والسحب 12%، وهو ما يعكس أن الاستخدام الأكبر للمحافظ أصبح مرتبطًا بتحريك الأموال بين الأفراد، وليس فقط بدفع قيمة خدمات صغيرة.
الحسابات البنكية بدأت تلعب دورا متزايدا في تغذية المحافظ الإلكترونية
تظهر البيانات أيضا أن الحسابات البنكية بدأت تلعب دورا متزايدا في تغذية المحافظ الإلكترونية، إذ جاء الإيداع من الحساب البنكي إلى المحفظة عبر إنستاباي في صدارة طرق الإيداع من حيث عدد العمليات بنسبة 78%، ما يشير إلى تزايد الترابط بين النظام المصرفي وخدمات الدفع عبر الهاتف.
وتتصدر القاهرة قائمة المحافظ الإلكترونية من حيث الانتشار بنحو 10.6 مليون محفظة، تليها الجيزة بـ6.5 مليون محفظة، ثم الشرقية بـ3.6 مليون، والإسكندرية بـ3.5 مليون، والقليوبية بـ3.3 مليون محفظة. ويعني ذلك أن النشاط لا يتركز بالكامل في العاصمة، وإنما يمتد إلى محافظات ذات كثافة سكانية وتجارية مرتفعة.
خريطة السوق تكشف هيمنة واضحة على مستوى الشركات
تكشف خريطة السوق عن هيمنة واضحة على مستوى الشركات؛ إذ استحوذت فودافون كاش على 53% من إجمالي المحافظ، مقابل 23% لإي آند كاش و20% لأورنج كاش و4% لـ«وي باي»، بينما ارتفعت حصة فودافون كاش إلى 77% من قيمة المعاملات المالية المنفذة خلال الفترة.
وتقرأ «منصة سوق المال» هذه الأرقام من زاوية مختلفة؛ فالقيمة البالغة 2.96 تريليون جنيه لا تعني أن هذا المبلغ يمثل أموالًا جديدة دخلت الاقتصاد، وإنما تعكس إجمالي قيمة العمليات التي دارت عبر المحافظ خلال الفترة، وقد تتكرر الأموال نفسها أكثر من مرة أثناء انتقالها بين المستخدمين.
ومع ذلك، فإن ارتفاع عدد المحافظ والعمليات والقيمة في الوقت نفسه يقدم مؤشرًا مهمًا على اتساع البنية التحتية للمدفوعات الرقمية في مصر، وعلى تحول الهاتف المحمول تدريجيًا إلى جزء من المنظومة المالية اليومية للمواطن.
فرصة اقتصادية أكبر من مجرد انتشار المحافظ؛
تبرز هنا فرصة اقتصادية أكبر من مجرد انتشار المحافظ؛ فكلما زادت المعاملات الرقمية، أصبحت هناك مساحة أوسع أمام شركات التكنولوجيا المالية والبنوك وشركات الاتصالات لتطوير خدمات جديدة مرتبطة بالتمويل والتحصيل والتجارة الإلكترونية وتحليل سلوك العملاء.
ويعني ذلك أن المنافسة خلال المرحلة المقبلة قد لا تكون فقط على عدد المحافظ التي تمتلكها كل شركة، وإنما على قدرة كل منصة على تحويل قاعدة المستخدمين الكبيرة إلى خدمات مالية أكثر تنوعًا، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الأمان وسهولة الاستخدام.
الاقتصاد المصري يتحرك تدريجيا نحو تقليل الاعتماد على النقد في جزء متزايد من معاملاته اليومية
تشير القفزة المسجلة خلال النصف الأول من العام إلى أن الاقتصاد المصري يتحرك تدريجيا نحو تقليل الاعتماد على النقد في جزء متزايد من معاملاته اليومية، لكن حجم هذا التحول الحقيقي سيقاس خلال السنوات المقبلة بمدى انتقال المحافظ من مجرد أداة لتحويل الأموال إلى منصة مالية متكاملة تخدم الأفراد والمشروعات الصغيرة والتجارة الإلكترونية.










































