تتجه مصر إلى توسيع خريطة الاستثمار خارج مراكز النشاط التقليدية، مع خطة لإنشاء ما بين 8 و9 مناطق استثمارية جديدة خلال السنوات المقبلة، في خطوة تستهدف جذب استثمارات محلية وأجنبية وتوزيع النشاط الاقتصادي على نطاق جغرافي أوسع.
وكشفت وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية أن المناطق الجديدة تأتي ضمن تحرك أوسع لتطوير منظومة الاستثمار، بالتوازي مع إعداد استراتيجية للاستثمار الأجنبي المباشر تستهدف قطاعات محددة يمكنها جذب تدفقات جديدة وتعزيز القدرات الإنتاجية والتصديرية للاقتصاد المصري.
مناطق جديدة تعيد توزيع الاستثمار بين المحافظات
وأوضح وزير الاستثمار والتجارة الخارجية محمد فريد أن إنشاء المناطق الجديدة يستهدف جذب الشركات وتوفير فرص عمل في المحافظات، إلى جانب تشجيع الاستثمار خارج مراكز الأعمال التقليدية، بما يربط النشاط الاستثماري باحتياجات كل منطقة وإمكاناتها الاقتصادية.
وتأتي هذه الخطوة في وقت أصبحت فيه المنافسة على الاستثمار الأجنبي لا تعتمد فقط على حجم السوق، وإنما تمتد إلى سرعة تأسيس الشركات، وتوافر الأراضي والمرافق، وسهولة الحصول على التراخيص، وقرب المشروعات من شبكات النقل والموانئ والأسواق المستهدفة.
وتعتمد فكرة المناطق الاستثمارية على تجميع عدد من عناصر الاستثمار في نطاق جغرافي محدد، بما يمكن المستثمر من الوصول إلى الخدمات والإجراءات بصورة أكثر تنظيمًا، ويخلق في الوقت نفسه تجمعات من الشركات يمكن أن تتكامل فيما بينها.
12 قطاعا على خريطة الاستثمار الأجنبي
وكشفت الوزارة عن إعداد استراتيجية للاستثمار الأجنبي المباشر بالتعاون مع البنك الدولي، تتضمن تحديد 12 قطاعًا لديها إمكانات لجذب تدفقات استثمارية جديدة إلى مصر.
وتشمل الفرص التي يجري إعدادها مجالات مثل الرعاية الصحية والسياحة والإسكان والطاقة، إلى جانب قطاعات أخرى يمكن توجيه المستثمرين إليها وفقا للأولويات والاحتياجات الاقتصادية.
ويعني هذا الاتجاه تحولا من الترويج العام للاستثمار إلى محاولة تقديم فرص محددة للمستثمر، بحيث لا يقتصر دور الجهات المعنية على الإعلان عن مزايا السوق المصرية، وإنما يمتد إلى تحديد القطاعات والمشروعات التي تحتاج إلى رؤوس أموال وخبرات وتكنولوجيا.
منصة رقمية تختصر رحلة المستثمر
وأشار وزير الاستثمار إلى العمل مع نحو 90 جهة حكومية وهيئة لإطلاق «منصة الكيانات الاقتصادية»، التي تستهدف توفير نافذة رقمية موحدة لإجراءات تأسيس الشركات والحصول على التراخيص والموافقات.
وتستهدف المنصة تقليل عدد الخطوات التي يمر بها المستثمر بين الجهات المختلفة، وهو ملف يمثل أهمية خاصة للمشروعات التي تحتاج إلى موافقات متعددة قبل بدء النشاط.
ولا تتوقف أهمية التحول الرقمي هنا عند اختصار الوقت فقط، إذ إن توحيد البيانات والإجراءات يمكن أن يساعد الدولة أيضًا في تكوين صورة أكثر دقة عن حجم الشركات والقطاعات والتدفقات الاستثمارية ومراحل تنفيذ المشروعات.
المناطق الاستثمارية تتحول إلى تجمعات إنتاجية
وتوضح التجربة القائمة أن المناطق الاستثمارية يمكن أن تتحول إلى أكثر من مجرد مواقع لاستضافة الشركات، إذ إن تجمع الشركات في نطاق واحد يخلق فرصا للتكامل بين الأنشطة المختلفة، سواء من خلال الموردين أو الخدمات اللوجستية أو العمالة أو عمليات التصنيع.
وتضم مصر حاليًا 12 منطقة استثمارية عاملة في 6 محافظات، تستضيف 1,277 مشروعًا بإجمالي استثمارات يصل إلى 66.3 مليار جنيه، وتوفر نحو 77.5 ألف فرصة عمل، وفق بيانات حكومية سابقة. كما توجد 7 مناطق استثمارية إضافية تحت الإنشاء في 3 محافظات.
وتكشف هذه الأرقام أن التوسع المقبل لا يبدأ من نقطة الصفر، وإنما يأتي فوق قاعدة قائمة من المناطق والمشروعات التي يمكن البناء عليها وتطويرها وربطها باستراتيجية الاستثمار الجديدة.
المحافظات تدخل المنافسة على رؤوس الأموال
ويفتح التوسع في المناطق الاستثمارية مساحة أكبر أمام المحافظات للمنافسة على المشروعات، خصوصًا المناطق التي تمتلك مقومات إنتاجية أو زراعية أو لوجستية لكنها لا تستحوذ تقليديًا على النصيب الأكبر من الاستثمارات.
وتستطيع كل منطقة أن تستفيد من ميزتها النسبية؛ فالمناطق القريبة من الموانئ يمكن أن تخدم الأنشطة التصديرية، بينما يمكن للمناطق الزراعية جذب الصناعات الغذائية، وتستفيد مناطق أخرى من توافر العمالة أو المواد الخام أو شبكات النقل.
ويمنح هذا التوزيع الاقتصاد فرصة لربط الاستثمار بالتنمية المحلية بدلا من تركز المشروعات في عدد محدود من المدن، كما يمكن أن يخلق أسواقًا جديدة للخدمات والنقل والإسكان والأنشطة التجارية المحيطة بالمناطق الاستثمارية.
الاستثمار الأجنبي يبحث عن طريق أقصر للإنتاج
وتأتي الاستراتيجية الجديدة في إطار توجه أوسع نحو جذب الاستثمار الأجنبي المباشر المرتبط بالإنتاج، وليس فقط التدفقات المالية، خاصة أن المستثمر الصناعي يبحث عن القدرة على تشغيل مشروعه والوصول إلى الأسواق وتوفير مستلزمات الإنتاج وتحويل الأرباح.
ولهذا تصبح المنطقة الاستثمارية جزءا من منظومة أكبر تضم الأرض والمرافق والتراخيص والتمويل والعمالة والنقل، بينما تزداد أهمية وجود أسواق تصديرية أمام الشركات التي تستهدف اتخاذ مصر قاعدة إنتاج إقليمية.
وتشير منصة سوق المال إلى أن نجاح التوسع في المناطق الاستثمارية سيقاس في النهاية بعدد المشروعات التي تدخل مرحلة الإنتاج الفعلي، وحجم الوظائف الجديدة، وقيمة الصادرات، ومدى قدرة هذه المناطق على جذب استثمارات مستدامة بدلا من الاكتفاء بزيادة عدد الأراضي أو المشروعات المعلنة.
وبذلك تتحول خطة إنشاء 8 إلى 9 مناطق جديدة إلى جزء من إعادة رسم خريطة الاستثمار في مصر، من خلال توزيع النشاط على المحافظات، وربط الحوافز بالقطاعات المستهدفة، وتقليل الإجراءات أمام المستثمر، مع محاولة تحويل الاستثمار من مجرد تدفق مالي إلى إنتاج وصادرات وقيمة مضافة داخل الاقتصاد.










































