الذهب لم يعد مجرد معدن ثمين في مصر، بل أصبح مرآة تعكس سلوكيات الادخار والاستثمار لدى المواطنين، خاصة في ظل التقلبات الاقتصادية والضغوط التضخمية. الإقبال المتزايد على شراء المعدن النفيس يظهر بوضوح رغبة المصريين في حماية مدخراتهم، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على تحديات كبيرة أمام النظام المصرفي والشمول المالي.
من تجربتي ومتابعتي للأسواق، أرى أن هذا الاتجاه نحو الذهب يعكس إدراكًا ذكيًا من المواطنين: فهو يقلل من الاستهلاك قصير الأجل ويخفف ضغوط التضخم على الأسعار. لكن هنا يكمن الجانب الآخر: الاعتماد المتزايد على الذهب بدل الودائع البنكية التقليدية يضعف السيولة المتاحة للبنوك، ويغير ديناميكيات العلاقة بين المواطنين والمؤسسات المالية. بمعنى آخر، ما يبدو أداة ذكية لحماية المدخرات قد يتحول على المدى الطويل إلى تحدٍ للقطاع المصرفي نفسه.
الحل يكمن في حوكمة تجارة الذهب ودمجها ضمن النظام المالي الرسمي. تسجيل عمليات البيع والشراء وربطها بالمعاملات الرقمية ليس مجرد إجراء شكلي، بل خطوة استراتيجية للحد من المضاربات غير المنظمة، والحد من الاقتصاد الموازي، وتمكين البنوك من إدارة السيولة بكفاءة. كما أن دمج الذهب في النظام المالي يفتح المجال أمام منتجات مبتكرة، مثل التمويل المضمون بالذهب أو المحافظ الرقمية المدعومة بالمعدن النفيس، ليصبح الذهب جزءًا من منظومة مالية حديثة، لا مجرد أداة ادخار تقليدية.
الرسالة الأساسية هنا واضحة: الذهب يمكن أن يكون أداة للشمول المالي، وليس فقط ملاذًا ادخاريًا. بإدراك الدولة والمواطنين لأهمية الحوكمة الرقمية، يمكن تحويل المعدن النفيس إلى عنصر يوازن بين الأهداف التضخمية قصيرة الأجل واستدامة القطاع المصرفي، مع منح المواطنين فرصة حقيقية للوصول إلى خدمات مصرفية متطورة وآمنة.
في نهاية المطاف، التعامل الذكي مع الذهب ليس رفاهية استثمارية، بل ضرورة اقتصادية. إنه اختبار حقيقي لقدرة مصر على تحويل أدوات الادخار التقليدية إلى محركات مالية حديثة تدعم الاستقرار، وتحقق التوازن بين حماية مدخرات المواطنين واستدامة النظام المصرفي على المدى الطويل.