بقلم: د. عبدالمنعم السيد مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية و الاستراتيجية
قامت وزارة المالية بالإعلان عن طرح «سند المواطن» للأفراد اعتبارا من الأسبوع القادم و ذلك من خلال الهيئة القومية للبريد و سند المواطن هو في احد أدوات دين حكومية قصيرة الأجل (18 شهرًا) موجهة للأفراد، بعائد شهري ثابت، ويتم تسويقها عبر شبكة الهيئة القومية للبريد
و الدولة تلتزم بسداد عائد شهري ثابت او كل 3 شهور وفي نهاية المدة (18 شهرًا) يتم رد أصل المبلغ و هو شكل مبسط من أدوات الدين الحكومية (مثل أذون وسندات الخزانة)، ولكن مصمم خصيصًا لصغار المدخرين و بطريقه اكثر سهوله .
و لاشك انها خطوة مهمة تمثل تحولًا استراتيجيًا في أدوات الادخار وإدارة الدين العام. و المبادرة ليست مجرد منتج مالي جديد، بل تعكس تلاقي حاجتين أساسيتين: حاجة الدولة لتمويل عجز الموازنة، وحاجة الأسر لحماية دخلها وقدرتها الشرائية في ظل تغيّر أسعار الفائدة.
حيث على مدار السنوات الماضية، شهدت مصر ارتفاعًا كبيرًا في أسعار الفائدة لمواجهة التضخم، قبل أن تنخفض تدريجيًا من أكثر من 38% في نهاية 2023 إلى حوالي 11,9% في يناير 2026 مما سمح للبنك المركزي بخفض الفائدة تدريجيًا لتنخفض 7,25% منذ بداية دورة التيسير النقدي 2025وحتي الان و من المؤكد ان هذا الانخفاض أثر مباشرة على عوائد الشهادات الادخارية في البنوك، التي كانت مصدر دخل أساسي للعديد من الأسر لتغطية مصروفاتها الشهرية و التي تتراوح الان ما بين 16% الي 17 % .
كما ان شبكة البريد في مصر تضم اكثر من 4700 مكتب بريد علي مستوي الجمهوريه وتخدم ملايين المواطنين، خصوصًا في القرى والمناطق غير البنكية.
و من ثم اختيار الهيئة القومية للبريد كمنفذ حصري يعني:
الوصول لشرائح لا تتعامل مع البنوك
و ايضا دمج فئات جديدة في النظام المالي الرسمي
كما يساعد علي تقليل الاكتناز النقدي خارج المنظومة المصرفيه
وايضا تحديد مدة متوسطة قصيرة تحقق توازنًا بين
طمأنة المواطن (فترة ليست طويلة)
و توفير تمويل مستقر للحكومة
و ايضا المرونة في إدارة الدين العام
فتحديد المده وسط 18 شهر
فهي ليست قصيرة جدا كأذون الخزانه التي تبدأ من 3 شهور وليست طويلة كسندات 5 أو 10 سنوات.
و لاشك ان فكره سند المواطن يمثل حل مزدوج الفائدة. للطرفين الدوله و المواطن
من ناحية، يساعد الدولة على تنويع مصادر تمويل الموازنة، ويقلل الاعتماد على البنوك أو المستثمرين مما يخفض تكلفة خدمة الدين العام على المدى المتوسط. ومن ناحية أخرى، يعمق سوق أدوات الدين بفتح قاعدة جديدة من حائزي السندات، ويسهم في امتصاص جزء من السيولة النقدية من السوق، مما يقلل الضغط على الأسعار ويعزز استقرار الاقتصاد.
بالنسبة للمواطن، يوفر السند بديلًا ادخاريًا آمنًا بعائد شهري ثابت أعلى نسبيًا من الشهادات المصرفية بعد خفض الفائدة البنكيه و المتوقع تخفيضها اكثر خلال عام 2026 و هي تمثل الأداة آمنة لأنها مضمونة من الدولة، وتتيح للأسر التي لا تتعامل مع البنوك الوصول إلى استثمار موثوق من خلال شبكة البريد المنتشرة في القرى والمراكز مما يعزز الشمول المالي ويشمل شرائح أكبر من المجتمع.
فقبل خفض الفائدة، كانت الشهادات الادخارية ملاذًا آمنًا للمدخرين بسبب عوائدها المرتفعة، لكن مع تراجع العوائد أصبح وجود «سند المواطن» ضرورة لتأمين دخل ثابت للمواطنين مع الحفاظ على سيولتهم وسهولة السحب عند الحاجة.
ولاشك ان نجاح الأداة الجديده سند المواطن يعتمد على أن يكون العائد منافسًا مع مستوى التضخم، وأن تصل الخدمة لشريحة واسعة من المواطنين، خصوصًا أصحاب الدخل المتوسط والمنخفض و الاهم تسعير العائد بشكل مدروس و عائد جيد و مقبول من الأفراد
و الفكره جيده لان «سند المواطن» بمثل أداة اقتصادية مزدوجة الفائدة: فهو يساعد الدولة على تمويل الموازنة وتعميق سوق أدوات الدين وتحسين إدارة السيولة، وفي الوقت نفسه يوفر للأسر بديل ادخاري آمن بعائد ثابت يحمي قدرتها الشرائية ويخفف من الضغوط على المصروفات الشهرية. بهذه الطريقة، يمكن أن يصبح السند نموذجًا ناجحًا لتعبئة المدخرات المحلية، وتحفيز الادخار الرسمي، ودعم استقرار الاقتصاد الكلي بشكل مستدام.