بقلم:
الدكتور مصطفى رشيد
الخبير الاقتصادى البحرى
يمثل التحول نحو النقل البحري منخفض الانبعاثات أحد أهم التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي خلال العقدين القادمين ، حيث تتجه المنظومة الدولية إلى فرض قواعد تنظيمية صارمة للحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الناتجة عن قطاع الشحن البحري.
وفي هذا السياق يأتي اجتماع لجنة حماية البيئة البحرية التابع للمنظمة البحرية الدولية في دورته الرابعة والثمانين والمقررعقده خلال الفترة 27 ابريل – 1 مايو 2026 بمقر المنظمة البحرية الدولية بلندن ، ليشكل محطة رئيسية في مسار تنفيذ الاستراتيجية المناخية للمنظمة البحرية الدولية ، والتي تهدف إلى تحقيق صافي انبعاثات صفرية من قطاع النقل البحري بحلول عام 2050.
ويكتسب هذا الاجتماع أهمية خاصة نظراً لكونه يناقش مجموعة من السياسات التنظيمية التي قد تعيد تشكيل هيكل صناعة النقل البحري العالمية، بما في ذلك:
1- آليات تسعير الكربون في الشحن البحري
2- التحول نحو الوقود البحري النظيف
3- تطوير معايير كفاءة الطاقة للسفن
4- الحد من التلوث البلاستيكي البحري
5- حماية التنوع البيولوجي البحري.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذه التطورات بالنسبة للدول العربية في كون المنطقة العربية تمثل محوراً رئيسياً في شبكة التجارة البحرية العالمية ، نظراً لاحتضانها عدداً من أهم الممرات البحرية الدولية ، وفي مقدمتها:
قناة السويس
مضيق هرمز
باب المندب
ومن ثم فإن أي تحولات تنظيمية في قطاع النقل البحري العالمي سيكون لها انعكاسات مباشرة على اقتصادات الدول العربية وعلى حركة التجارة العالمية عبر المنطقة العربية .

اولا : الأهمية الاستراتيجية لاجتماع لجنة حماية البيئة البحرية
يعد اجتماع لجنة حماية البيئة البحرية أحد أهم الاجتماعات التنظيمية في منظومة الحوكمة البحرية الدولية، حيث تختص اللجنة بوضع القواعد والمعايير الدولية المتعلقة بحماية البيئة البحرية من التلوث الناتج عن السفن.
ويكتسب اجتماع لجنة حماية البيئة البحرية فى دورته الربعة والثمانون أهمية خاصة لعدة أسباب استراتيجية:
1- استكمال المناقشات حول التدابير متوسطة الأجل لخفض انبعاثات غازات الدفيئة من السفن.
2- مراجعة التدابير قصيرة الأجل المعتمدة في عام 2021 الخاصة بكفاءة الطاقة البحرية.
3- تطوير أطر تنظيمية جديدة للوقود البحري منخفض الكربون.
4- اعتماد استراتيجية دولية جديدة لمكافحة التلوث البلاستيكي البحري.
ومن المتوقع أن تمثل مخرجات هذا الاجتماع أحد الركائز الأساسية في تشكيل النظام البيئي الجديد لصناعة النقل البحري العالمي خلال العقود القادمة.

ثانيا : المحاور الرئيسية لاجتماع لجنة حماية البيئة البحرية
1- تسريع إزالة الكربون من قطاع الشحن البحري
يعد خفض انبعاثات غازات الدفيئة من السفن المحور الأكثر أهمية في جدول أعمال الاجتماع.
وتناقش اللجنة تطوير إطار تنظيمي جديد يهدف إلى تحقيق صافي انبعاثات صفرية من قطاع الشحن البحري بحلول منتصف القرن.
وتشمل الإجراءات المقترحة:
– تطوير معايير عالمية للوقود منخفض الكربون
– دراسة فرض رسوم على الانبعاثات الكربونية للسفن
– تعزيز التحول نحو وقود بحري بديل مثل:
الهيدروجين الأخضر
الأمونيا الخضراء
الميثانول الأخضر.
ويمثل هذا التحول أحد أكبر التحديات التقنية والاقتصادية التي تواجه صناعة النقل البحري منذ الثورة الصناعية.
2- تطوير الأطر التنظيمية لكفاءة الطاقة البحرية
سيناقش الاجتماع المرحلة الثانية من مراجعة التدابير قصيرة الأجل التي اعتمدتها المنظمة في عام 2021.
وتهدف هذه المراجعة إلى:
– تحسين نظام تصنيف كثافة الكربون للسفن
– تعزيز فعالية خطط إدارة كفاءة الطاقة
– تطوير منهجيات قياس الانبعاثات بدقة أكبر.
ومن المتوقع أن تؤدي هذه المراجعات إلى تشديد المعايير البيئية المفروضة على الأساطيل البحرية العالمية.
3- تحديث اتفاقية إدارة مياه الصابورة
تسعى المنظمة البحرية الدولية إلى تعزيز تنفيذ اتفاقية إدارة مياه الصابورة بهدف الحد من انتقال الكائنات البحرية الغازية بين البيئات البحرية المختلفة.
ومن المتوقع اعتماد مجموعة من التعديلات التي تشمل:
– تحسين نظم معالجة مياه الصابورة على السفن
– تحديث المبادئ التوجيهية لإدارة المياه
– تطوير خطط الإدارة البيئية للسفن.
4- تنظيم انبعاثات الميثان وأكسيد النيتروز
مع التوسع في استخدام الغاز الطبيعي المسال كوقود بحري، برزت الحاجة إلى تطوير منهجيات دقيقة لقياس انبعاثات الميثان وأكسيد النيتروز الناتجة عن محركات السفن.
وسيتم اعتماد مجموعة من المبادئ التوجيهية الجديدة التي تشمل:
– طرق القياس على متن السفن
– أنظمة الرصد المستمر للانبعاثات
– معايير حساب الانبعاثات المرتبطة بأداء المحركات.
5- الحد من التلوث البلاستيكي البحري
تسعى المنظمة إلى اعتماد استراتيجية جديدة لمعالجة النفايات البلاستيكية البحرية الناتجة عن السفن ، مع وضع هدف عالمي يتمثل في تحقيق صفر تصريف للنفايات البلاستيكية في البحار بحلول عام 2030.
كما سيتم بحث المخاطر البيئية المرتبطة بنقل الكريات البلاستيكية بحراً ، والتي تعد أحد المصادر الرئيسية للتلوث البلاستيكي البحري.
6- الحد من الضوضاء تحت الماء
تمثل الضوضاء الناتجة عن السفن التجارية أحد التحديات البيئية المتزايدة التي تؤثر على الحياة البحرية.
وسيتم خلال الاجتماع:
– اعتماد توجيهات فنية للحد من الضوضاء البحرية
– إطلاق دراسة عالمية حول انبعاثات الضوضاء تحت الماء
– تمديد مرحلة بناء الخبرة حتى عام 2028.

ثالثا : المخرجات المتوقعة من الاجتماع
من المتوقع أن يسفر الاجتماع عن عدد من المخرجات التنظيمية المهمة، من أبرزها:
1- اعتماد تعديلات جديدة على المرفق السادس من اتفاقية MARPOL.
2- التقدم في تطوير إطار عالمي لخفض انبعاثات غازات الدفيئة من السفن.
3- اعتماد المبادئ التوجيهية لقياس انبعاثات الميثان وأكسيد النيتروز.
4- اعتماد استراتيجية المنظمة لعام 2026 لمكافحة النفايات البلاستيكية البحرية.
5- تطوير التوجيهات الفنية للحد من الضوضاء البحرية.
6- التقدم في تنظيم استخدام تقنيات احتجاز الكربون على السفن.
7- تحديث المبادئ التوجيهية لإدارة مياه الصابورة.

رابعا : التداعيات الاستراتيجية على قطاع النقل البحري العالمي
من المتوقع أن يؤدي اجتماع لجنة حماية البيئة البحرية إلى مجموعة من التحولات الهيكلية في قطاع النقل البحري العالمي ، من أهمها:
1- تسريع التحول نحو الوقود البحري النظيف
ستضطر شركات الشحن العالمية إلى الاستثمار في تطوير سفن تعمل بوقود منخفض أو صفر الكربون.
2- ارتفاع تكاليف النقل البحري
قد تؤدي التدابير البيئية الجديدة إلى زيادة تكاليف التشغيل في قطاع الشحن ، وهو ما قد ينعكس على تكاليف التجارة العالمية.
3- تعزيز التحول نحو الموانئ الخضراء
ستتطلب السياسات الجديدة تطوير البنية التحتية للموانئ العالمية لتوفير:
– وقود نظيف
– أنظمة مراقبة الانبعاثات
– مرافق إدارة النفايات البحرية.
4- تعزيز الحوكمة البيئية للمحيطات
ستساهم القرارات الجديدة في:
– حماية التنوع البيولوجي البحري
– تقليل التلوث البلاستيكي
– الحد من التلوث الهوائي البحري.

خامسا : الأهمية الاستراتيجية للدول العربية
تمتلك الدول العربية موقعاً جيوسياسياً محورياً في منظومة النقل البحري العالمية ، حيث تمر عبر المنطقة العربية أهم الممرات البحرية الدولية.
وتشمل هذه الممرات:
– قناة السويس
– مضيق هرمز
– باب المندب
كما تضم المنطقة العربية عدداً من أكبر الموانئ التجارية في العالم.
ومن ثم فإن القرارات التنظيمية الجديدة الصادرة عن المنظمة البحرية الدولية سيكون لها تأثير مباشر على:
1- سياسات النقل البحري العربية
2- تطوير الموانئ العربية
3- الاستثمارات في الوقود البحري الأخضر.

سادسا : انعكاسات قرارات الاجتماع على قناة السويس والاقتصاد المصري
تعد قناة السويس أحد أهم الممرات البحرية في العالم ، حيث يمر عبرها ما يقرب من 12% من التجارة العالمية.
ومن المتوقع أن يكون للتحولات التنظيمية في قطاع الشحن البحري انعكاسات مباشرة على:
1- حركة السفن عبر قناة السويس
قد تؤدي السياسات البيئية الجديدة إلى إعادة هيكلة أساطيل الشحن العالمية ، مما قد يؤثر على أنماط حركة السفن عبرقناة السويس .
2- تطوير موانئ الوقود النظيف
يمكن أن تمثل هذه التحولات فرصة استراتيجية لجمهورية مصر العربية لتطوير موانئها كمراكز إقليمية لتزويد السفن بالوقود البحري النظيف.
3- تعزيز تنافسية قناة السويس
من خلال تطوير خدمات لوجستية جديدة مرتبطة بالنقل البحري الأخضر.

سابعا : تأثير القرارات على تجارة النفط والغاز في الخليج العربي
تعد منطقة الخليج العربي أحد أهم مراكز إنتاج وتصدير النفط والغاز في العالم ، حيث تمر نسبة كبيرة من صادرات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز.
وقد تؤثر السياسات البيئية الجديدة على تجارة الطاقة بعدة طرق:
1- زيادة الطلب على الوقود منخفض الكربون
قد يؤدي التحول نحو الوقود البحري النظيف إلى فتح أسواق جديدة لإنتاج:
الأمونيا الخضراء
الهيدروجين الأخضر.
2- إعادة هيكلة تجارة الوقود البحري
قد تشهد تجارة الوقود التقليدي انخفاضاً تدريجياً مع تزايد الاعتماد على الوقود البديل.
3- فرص استثمارية جديدة
تمتلك دول الخليج العربى إمكانات كبيرة لتصبح مركزاً عالمياً لإنتاج الوقود البحري النظيف.

ثامنا : التوصيات الاستراتيجية المقترحة لمجلس وزراء النقل العرب فى أطار منظومة جامعة الدول العربية
في ضوء التحولات التنظيمية المتوقعة ، يمكن رفع مجموعة من التوصيات الاستراتيجية إلى مجلس وزراء النقل العرب والذى يعمل فى اطار منظومة جامعة الدول العربية ، من أبرزها:
1- إعداد استراتيجية عربية لإزالة الكربون من النقل البحري
ينبغي إعداد استراتيجية عربية موحدة تهدف إلى:
– خفض الانبعاثات في الأساطيل العربية
– دعم التحول نحو الوقود البحري النظيف
– تعزيز الابتكار في تقنيات النقل البحري المستدام.
2- تطوير شبكة الموانئ العربية الخضراء
ينبغي إطلاق مبادرة عربية لتطوير الموانئ الخضراء في المنطقة، بما يشمل:
– توفير وقود بحري منخفض الكربون
– تطوير مرافق استقبال النفايات البحرية
– تطبيق أنظمة إدارة الانبعاثات.
3- دعم الاستثمار العربي في الوقود البحري المستقبلي
تمتلك الدول العربية إمكانات كبيرة لإنتاج:
الهيدروجين الأخضر
الأمونيا الخضراء
ومن ثم ينبغي تعزيز الاستثمارات في هذه المجالات لتصبح المنطقة العربية مركزاً عالمياً لإنتاج الوقود البحري النظيف.
4- إنشاء مركز عربي للابتكار في النقل البحري الأخضر
ويمكن ان يتخصص المركز في:
– أبحاث إزالة الكربون من الشحن البحري
– تطوير تقنيات السفن منخفضة الانبعاثات
– دعم التحول الرقمي والبيئي في قطاع النقل البحري.
5- تعزيز التنسيق العربي داخل المنظمة البحرية الدولية
ينبغي تعزيز التنسيق بين الدول العربية داخل المنظمة البحرية الدولية بهدف:
– توحيد المواقف العربية
– التأثير في صياغة التشريعات البحرية الدولية
– حماية المصالح الاستراتيجية للدول العربية.






































