الانتخابات الرئاسية البرازيلية 2026 وانعكاساتها على مصر والبريكس والعالم العربي
بقلم : الدكتور/ مصطفى رشيد
الخبير الاقتصادي الدولى
أولا: الموعد والمشهد الانتخابي
تُجرى الانتخابات الرئاسية البرازيلية في 4 أكتوبر 2026، مع إجراء جولة إعادة في 25 أكتوبر 2026 إذا لم يحصل أي مرشح على الأغلبية المطلوبة في الجولة الأولى.
وتشير التطورات حتى 12 سبتمبر 2026 إلى أن المنافسة الرئيسية تتمحور بين الرئيس الحالي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، عن حزب العمال، وفلافيو بولسونارو، عضو مجلس الشيوخ ونجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، عن الحزب الليبرالي.
وتظهر أحدث استطلاعات الرأي أن السباق أصبح شديد التقارب.
ففي استطلاع Datafolha الأخير حصل لولا على 39% مقابل 35% لفلافيو في الجولة الأولى، بينما بلغ التأييد في سيناريو الإعادة 46% للولا مقابل 44% لفلافيو.
وفي استطلاعات أخرى حديثة ظهر التعادل بين المرشحين أو تقدم طفيف لفلافيو ضمن هامش الخطأ.
وعليه، لا يمكن في المرحلة الحالية اعتبار نتيجة الانتخابات محسومة، كما أن الجولة الثانية تبدو السيناريو الأكثر ترجيحًا.
ثانيا: دلالات المنافسة بين لولا وفلافيو بولسونارو
تمثل الانتخابات، في جانب مهم منها، استمرارًا للاستقطاب السياسي بين التيار اليساري المرتبط بلولا والتيار المحافظ الذي يمثل امتدادًا سياسيًا لإرث جايير بولسونارو.
ويمتلك لولا أفضلية مؤسسية وخبرة واسعة في إدارة الدولة والسياسة الخارجية، إلا أن تراجع تقييم الحكومة وارتفاع نسبة التقييمات السلبية يمثلان تحديًا انتخابيًا مهمًا.
ووفق أحدث Datafolha، قيّم 42% أداء الحكومة بأنه “سيئ أو سيئ جدًا”، مقابل 32% وصفوه بأنه “جيد أو جيد جدًا”.
وفي المقابل، تمكن فلافيو بولسونارو من تحويل الاستقطاب السياسي والقاعدة المحافظة المرتبطة بوالده إلى منافسة انتخابية فعلية، وأصبح قادرًا على خوض جولة ثانية متقاربة مع لولا.
ثالثا: الأهمية الدولية للانتخابات
لا تقتصر أهمية الانتخابات البرازيلية على الداخل البرازيلي، إذ تمثل البرازيل إحدى القوى الرئيسية في الجنوب العالمي وعضوًا مؤسسًا في البريكس.
وتكتسب النتيجة أهمية خاصة في ظل توسع البريكس، الذي أصبحت مصر عضوًا فيه إلى جانب البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا وعدد من الأعضاء الجدد.
كما يواجه التجمع حاليًا نقاشًا حول التوازن بين البعد الاقتصادي والتجاري من ناحية، والبعد الجيوسياسي من ناحية أخرى.
ومن ثم، فإن انتخاب لولا يرجح استمرار السياسة البرازيلية الحالية التي تعطي أولوية للتعاون جنوب–جنوب، وتوسيع دور البريكس، وتعزيز التعددية الدولية.
أما انتخاب فلافيو بولسونارو، فمن المرجح أن يؤدي إلى إعادة تقييم بعض أولويات السياسة الخارجية البرازيلية، مع احتمال زيادة التقارب مع الولايات المتحدة والتيارات المحافظة، وإن كان من غير المرجح أن يؤدي ذلك إلى التخلي عن البريكس، بالنظر إلى المصالح الاقتصادية العميقة للبرازيل مع الصين والهند وبقية أعضاء التجمع.
رابعا: الانعكاسات على مصر
تمثل الانتخابات البرازيلية أهمية خاصة لمصر لثلاثة أسباب رئيسية:
1- البريكس
مصر والبرازيل شريكان داخل البريكس، ومن ثم فإن اتجاه السياسة الخارجية البرازيلية سيؤثر في طبيعة النقاشات داخل التجمع، وخاصة فيما يتعلق بالتجارة، والتمويل، وأنظمة المدفوعات، والتعاون بين دول الجنوب.
2- العلاقات الثنائية:
شهدت العلاقات المصرية–البرازيلية خلال الفترة الأخيرة تطورًا ملحوظًا، في إطار الشراكة الاستراتيجية الموقعة عام 2024، واتفاقية التجارة الحرة بين مصر والمركيسور.
وقد أكد الرئيس لولا خلال لقائه الرئيس عبد الفتاح السيسي في يونيو 2026 أهمية استمرار زيادة التجارة الثنائية، التي تجاوزت وفق الجانب المصري 5.5 مليار دولار.
كما وصف لولا مصر بأنها الشريك التجاري الرئيسي للبرازيل في أفريقيا.
3- التنسيق الدولي:
هناك تقارب في اهتمام القاهرة وبرازيليا بقضايا التنمية، وإصلاح النظام الدولي، والتعاون مع دول الجنوب، فضلًا عن أهمية التنسيق في المحافل متعددة الأطراف.
خامسا: التقدير بالنسبة لمصر
من منظور المصالح المصرية، فإن فوز لولا يمثل السيناريو الأكثر استمرارية وقابلية للتنبؤ بالنسبة لمسارات التعاون القائمة حاليًا، خاصة في:
– التجارة والاستثمار.
– الأمن الغذائي والزراعة.
– الطاقة والسلع الأساسية.
– التعاون مع أفريقيا.
– التنسيق في المنظمات الدولية.
أما فوز فلافيو بولسونارو، فلا يعني بالضرورة تراجع العلاقات المصرية–البرازيلية، وإنما يرجح أن يؤدي إلى إعادة ترتيب الأولويات الخارجية للبرازيل، مع بقاء المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المشتركة عاملًا ضامنًا لاستمرار العلاقات.
الخلاصة :
تمثل الانتخابات الرئاسية البرازيلية 2026 انتخابات ذات أهمية استراتيجية تتجاوز حدود أمريكا اللاتينية، بالنظر إلى وزن البرازيل داخل البريكس والجنوب العالمي.
ومن المنظور المصري، فإن الهدف الأساسي ينبغي ألا يكون ربط العلاقات المصرية–البرازيلية بشخص الرئيس، وإنما الحفاظ على المسار المؤسسي للشراكة الاستراتيجية وتعزيز المصالح الاقتصادية والتجارية، مع الاستعداد المبكر للتعامل مع أي من السيناريوهين الرئيسيين.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في ضوء استمرار توسع البريكس وتطور أجندته الاقتصادية والمالية، بما يجعل استقرار العلاقة المصرية–البرازيلية مصلحة مشتركة بصرف النظر عن نتيجة الانتخابات.










































