في زحمة القاهرة، بين أصوات الكلاكسات وضجيج الباعة وصفير القطارات، تقف شجرة عجوز على ناصية شارع قديم. جذعها متشقق، أوراقها متربة، وجذورها محاصرة بالأسفلت من كل جانب. لا أحد يلتفت إليها. لا أحد يسألها كيف حالها. وهي، لو كانت تملك صوتًا، لبكت.
شجرة كانت يومًا ملكة

كانت هذه الشجرة، منذ عشرات السنين، مصدر فخر للحي كله. تحتها جلس العشّاق، ولعب الأطفال، واستراح العمال من تعب يوم طويل. كانت عنوانًا: “بيتي جنب الشجرة الكبيرة”. كانت جزءًا من ذاكرة كل من مرّ من هنا.
واليوم؟ اليوم أصبحت عائقًا. “بتاخد مكان لمواقف العربيات”. “بتوسخ الشارع بورقها”. “لازم تتقطع عشان نوسّع الطريق”. كلمات قاسية تُقال بلا رحمة عن كائن حيّ لم يفعل شيئًا سوى أن يمنحنا الهواء الذي نتنفسه والظل الذي نلجأ إليه.
حزن لا يُرى بالعين

الشجرة لا تصرخ حين يُقطع أحد أغصانها. لا تنزف دمًا حين يُجرح جذعها. لكنها، في صمتها، تحمل حزنًا أعمق من أي دمعة. حزن الأشجار التي تُقتلع من جذورها لبناء عمارة جديدة. حزن الحدائق التي تحولت إلى مواقف سيارات. حزن الشوارع التي كانت خضراء فأصبحت رمادية باهتة، بلا روح وبلا ظل.
كل شجرة نفقدها تأخذ معها جزءًا من طفولتنا، من ذكرياتنا، من هوية المكان الذي نعيش فيه. ونحن، منشغلون بسرعة الحياة، لا نلتفت إلا حين يختفي الظل تمامًا، وتصبح الشمس عدوًّا بدل أن تكون صديقًا.
مصر التي أحبت الخضرة يومًا

كانت مصر القديمة تُقدّس الشجرة. الفراعنة رسموا أشجار النخيل والسنط على جدران المعابد، وزرعوا الحدائق حول قصورهم، وآمنوا بأن الشجرة رمز للحياة الأبدية. أين نحن اليوم من هذا الحب؟ أين ذهبت تلك العلاقة العميقة بين المصري وأرضه الخضراء؟
الشجرة التي بكت اليوم على ناصية الشارع، لم تكن تطلب الكثير. كانت تطلب فقط أن نتذكر أنها ليست عائقًا في طريق التنمية، بل هي التنمية الحقيقية. أن نتذكر أن كل متر أخضر نفقده، نفقد معه جزءًا من صحتنا وهوائنا ومستقبل أبنائنا.
دموع خضراء تنتظر من يمسحها

في كل مرة تمر بجانب شجرة منسية، أو غصن مكسور، أو جذع جاف بلا رعاية، توقف لحظة. انظر إليها كما تنظر لصديق قديم أهملته الأيام. فربما كانت هذه الشجرة تُظلل جدك يومًا، أو رأت أول خطوات لك وأنت طفل، أو احتضنت حمامة بنت عشها بين أغصانها.
الشجرة لا تطلب كثيرًا: قليل من الماء، بعض الاهتمام، ويد لا تحمل فأسًا. هل يُعقل أن نبخل عليها بهذا القليل، بعد كل ما منحتنا؟
ختامًا.. لنمسح دمعة هذا الوطن الأخضر
مصر لا تستحق أن تُرى أشجارها حزينة. مصر التي أعطت العالم الحضارة والفن والجمال، تستحق أن تكون خضراء من جديد، أن تضحك أشجارها بدل أن تبكي، أن تمتلئ شوارعها بالظل بدل الغبار. فلنكن نحن اليد التي تمسح هذا الحزن، ولنمنح كل شجرة في هذا الوطن فرصة أخرى لتحيا، ولتبتسم، ولتُظلل جيلًا جديدًا يستحق أن يكبر تحت سماء خضراء لا رمادية.










































