طنجة المتوسط… حين تتحول الجغرافيا إلى قوة اقتصادية عالمية
شهادة على العصر بقلم الدكتور مصطفى رشيد عن رحلة استراتيجية إلى مضيق جبل طارق وأحد أبرز نماذج التكامل بين الموانئ والصناعة واللوجستيات والطاقة الخضراء
بقلم
الدكتور: مصطفى رشيد
مساعد رئيس الاكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحرى – جامعة الدول العربية
من الدار البيضاء إلى طنجة… رحلة تتجاوز حدود الزيارة الميدانية

هناك رحلات لا تقاس بمسافاتها، ولا بعدد المواقع التي يزورها المرء خلالها، وإنما بما تتركه من أثر في طريقة فهمه للتحولات الاقتصادية والاستراتيجية التي يشهدها العالم.
وكانت رحلتنا إلى مدينة طنجة وميناء طنجة المتوسط واحدة من تلك التجارب التي تستحق التوثيق؛ لأنها لم تكن مجرد زيارة تفقدية لميناء دولي، بل كانت اقترابا مباشرا من تجربة مغربية نجحت في تحويل الموقع الجغرافي إلى أصل اقتصادي، والبنية التحتية إلى منصة إنتاج وتجارة، والميناء إلى حلقة مركزية في شبكات الاقتصاد العالمي.
أكتب هذه الشهادة انطلاقا من تجربة ميدانية عشت تفاصيلها، ومن رؤية اقتصادية ولوجستية ترى أن فهم مستقبل النقل البحري لا يكتمل من خلال متابعة الأرقام والتقارير وحدها، بل يتطلب النزول إلى مواقع التشغيل، ومشاهدة حركة السفن، والاطلاع على آليات إدارة المحطات، وفهم العلاقة بين الميناء والمصانع والسكك الحديدية والمناطق اللوجستية ومصادر الطاقة.
وقد جاءت هذه الزيارة على هامش مشاركة وفد الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري في الدورة الثالثة لمنتدى ومعرض التنقل والنقل واللوجستيات (LOGITERRE 2026)، الذي استضافته مدينة الدار البيضاء خلال الفترة من 20 إلى 22 أكتوبر 2026، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، ملك المملكة المغربية .

شارك في هذه الرحلة وفد الأكاديمية الذي ضم الدكتورة سارة الجزار، عميد كلية النقل الدولي واللوجستيات بالإسكندرية وكبير مستشاري اتحاد الغرف العربية ، ونور صادق، منسق برامج التعاون الدولي بكلية النقل الدولي واللوجستيات بالإسكندرية.
وكانت الغاية من الزيارة أوسع من التعرف على منشأة مينائية متقدمة؛ فقد استهدفنا استكشاف فرص التعاون العلمي والبحثي والتدريبي، والاطلاع على الخبرات المغربية والدولية في إدارة الموانئ ومحطات الحاويات والسيارات والمناطق اللوجستية، واستيعاب الدروس التي يمكن توظيفها في تطوير منظومات النقل البحري واللوجستيات العربية والأفريقية.

من منصة LOGITERRE 2026 إلى بوابة طنجة المتوسط
شهدت مشاركة الأكاديمية في المنتدى والمعرض لقاءات مهنية مهمة مع عدد من القيادات والمسؤولين المعنيين بمستقبل النقل واللوجستيات في أفريقيا. وقد افتُتحت الفعاليات بحضور عبد الصمد قيوح، وزير النقل واللوجستيك بالمملكة المغربية، ومعالي وزير النقل الكاميروني، ومصطفى شعون، رئيس الاتحاد الأفريقي لمنظمات النقل واللوجستيات.
إلى جانب ممثلين عن مفوضية الاتحاد الأفريقي والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للاتحاد الأفريقي، وعدد من كبار المسؤولين وممثلي المؤسسات والشركات العاملة في قطاعات النقل والموانئ واللوجستيات والذكاء الاصطناعي.
وعلى هامش افتتاح المنتدى والمعرض، عقد وفد الأكاديمية لقاء معإدريس أعرابي، المدير العام لميناء طنجة المتوسط، تناول فرص التعاون في المجالات العلمية والبحثية والتدريبية، وتبادل الخبرات في إدارة الموانئ والمحطات المتخصصة والمناطق اللوجستية.
وقد شكل هذا اللقاء نقطة الانطلاق نحو زيارة ميدانية رفيعة المستوى، جرى ترتيبها بتعاون كريم من مصطفى شعون، رئيس الاتحاد الأفريقي لمنظمات النقل واللوجستيات، والدكتور خالد بودالي، الأمين العام للاتحاد، والأستاذ إدريس أعرابي، المدير العام لميناء طنجة المتوسط.
وكان لهذا التنسيق أثر مهم في إتاحة الفرصة أمام وفد الأكاديمية للاطلاع المباشر على منظومة الميناء ومرافقه، والاستماع إلى المسؤولين عن تشغيله وتخطيطه، ومناقشة ما يقدمه هذا النموذج من خبرات قابلة للدراسة والاستفادة.

قطار البراق… مقدمة عملية لفهم منظومة النقل المغربية
انطلقت رحلتنا في الصباح الباكر من الدار البيضاء على متن قطار البراق فائق السرعة، متجهين إلى مدينة طنجة.
ولم تكن رحلة القطار مجرد وسيلة للوصول إلى وجهتنا، بل كانت في حد ذاتها مقدمة عملية لفهم أهمية الربط بين أنماط النقل المختلفة. فقد أتاحت لنا مشاهدة جانب من التطور الذي شهدته منظومة السكك الحديدية المغربية.


أكدت أن تنافسية الموانئ الحديثة لا تتحدد عند حدود الأرصفة، وإنما تبدأ من كفاءة شبكة النقل التي تصل الميناء بالمدن والمناطق الصناعية ومراكز الإنتاج والتوزيع.
فالميناء الذي يمتلك أرصفة متطورة ومحطات ذات قدرات تشغيلية كبيرة، لكنه يفتقر إلى الربط الفعال بالمصانع والأسواق، لا يستطيع بالضرورة تحويل طاقته المينائية إلى قيمة اقتصادية موازية.
أما عندما تتكامل السفينة مع القطار والشاحنة والمنطقة الصناعية، فإن الميناء يتحول من نقطة عبور إلى مركز لإدارة التدفقات التجارية والإنتاجية.
وعند وصولنا إلى محطة طنجة، كان في استقبال الوفد الأستاذ محمد الجعبق، رئيس الجمعية المغربية للنقل واللوجستيك، الذي رافقنا طوال جانب مهم من برنامج الزيارة، وأسهم في تنظيم محطاتها المختلفة.

طنجة القديمة… من ذاكرة الملاحة إلى أفق الاقتصاد البحري
بدأت جولتنا بزيارة ميناء طنجة القديم، الذي ارتبط تاريخيا بالحركة البحرية للمدينة، ويؤدي اليوم دورا سياحيا وترفيهيًا، مع مرافق مخصصة لليخوت والأنشطة البحرية.
ومن المثير للتأمل أن المدينة التي احتفظت بذاكرتها البحرية العريقة استطاعت أن تطور نموذجا جديدا للنشاط المينائي والتجاري في موقع آخر، بما يسمح بتوزيع الأدوار بين الميناء التاريخي ذي الطابع السياحي والميناء الحديث ذي الوظيفة التجارية والصناعية واللوجستية العالمية.
وهنا يبرز درس مهم في التخطيط الحضري والاقتصادي: ليست كل الموانئ مطالبة بأداء الوظيفة نفسها، كما أن تطوير منشآت جديدة لا يستلزم بالضرورة إلغاء القيمة التاريخية للمنشآت القديمة. فقد تستطيع المدينة أن تحافظ على ذاكرتها البحرية، وفي الوقت نفسه تبني قاعدة جديدة للنمو الصناعي والتجاري.



مضيق جبل طارق… حيث تصبح الجغرافيا عاملا حاسما في الاقتصاد العالمي
كانت الجولة التالية من أكثر محطات الرحلة تأثيرا في فهم الأبعاد الاستراتيجية للموقع المغربي؛ إذ أتيحت لنا فرصة الاقتراب من منطقة مضيق جبل طارق، ومشاهدة السفن العابرة لهذا الممر البحري الحيوي، ورؤية الساحل الإسباني المقابل، بما في ذلك محيط ميناء الجزيرة الخضراء ومدينة طريفة القريبة من ملتقى المحيط الأطلسي والبحر المتوسط.
إن الوقوف أمام هذا المشهد يمنح الجغرافيا معنى مختلفا عن ذلك الذي نقرأه على الخرائط. فالمضيق ليس مجرد ممر مائي يفصل بين قارتي أفريقيا وأوروبا، بل هو أحد المفاصل البحرية التي تتقاطع عندها طرق التجارة العالمية، وتتصل من خلاله حركة الملاحة بين المحيط الأطلسي والبحر المتوسط.
وفي هذا الموقع تتجاور ضفتان، وتلتقي قارتان، وتتقاطع مصالح اقتصادية وتجارية وصناعية متعددة. وتتحرك السفن في ممر ضيق نسبيًا، بينما تحمل على متنها سلعا ومواد خاما ومنتجات صناعية تدخل في سلاسل إمداد تمتد إلى اقتصادات بعيدة عن المنطقة بآلاف الكيلومترات.
ومن هنا أدركنا بصورة أكثر وضوحا أن الميزة الجغرافية لا تتحول تلقائيا إلى ميزة اقتصادية. فالمضيق يمنح الموقع أهمية طبيعية، لكنه لا يضمن وحده النجاح التجاري. الذي يصنع الفارق هو قدرة الدولة على تحويل هذا الموقع إلى منظومة متكاملة من الموانئ والخدمات البحرية والصناعة والتخزين والنقل متعدد الوسائط والتكنولوجيا والطاقة.
وهذا تحديدا ما يجعل تجربة طنجة المتوسط جديرة بالدراسة؛ فالمغرب لم يكتفِ بالاستفادة من وجوده على أحد أهم مسارات الملاحة الدولية، وإنما عمل على بناء منظومة اقتصادية ولوجستية تستثمر هذه الميزة وتربطها بالإنتاج والتصدير وجذب الاستثمارات.

طنجة المتوسط… من ميناء لاستقبال السفن إلى منصة للاقتصاد العالمي
بعد جولة مضيق جبل طارق، توجهنا إلى ميناء طنجة المتوسط، حيث استقبلنا حمزة الحروس، مدير العمليات بالميناء، وأسماء كروب، مديرة التخطيط.
وفي المبنى الرئيسي للميناء، استمع الوفد إلى عرض تقديمي شامل تناول التطور التاريخي للمشروع، ومراحل نموه، ومنظومة محطات الحاويات والسيارات، وشبكات النقل والربط اللوجستي، والمناطق الصناعية والاقتصادية المرتبطة به، إلى جانب مشروعات الطاقة المتجددة والاستدامة.
وقد أتاحت لنا الزيارة الميدانية، إلى جانب العرض، فرصة لفهم العلاقة بين الأرقام التشغيلية والبنية المؤسسية التي تقف وراءها.
والخلاصة التي خرجت بها هي أن طنجة المتوسط لم يعد مجرد ميناء لاستقبال السفن وتفريغ الحاويات وإعادة شحنها؛ بل أصبح منظومة اقتصادية متكاملة، تتداخل فيها الموانئ الصناعية مع شبكات النقل متعدد الوسائط، والمناطق التجارية والصناعية، والخدمات اللوجستية، وسلاسل الإمداد الدولية.
وهذا التحول هو جوهر المنافسة المينائية الحديثة. فالميناء الناجح لا يقاس فقط بعدد الأرصفة أو عمق المياه أو حجم الرافعات، بل بقدرته على تقليل الزمن والتكلفة، وجذب الاستثمارات، وخدمة الإنتاج الصناعي، وربط الشركات بالأسواق، وتوفير خدمات يمكن الاعتماد عليها في بيئة تجارية عالمية تتسم بسرعة التغير.

أرقام 2025… مؤشرات على حجم التحول
تعكس النتائج التشغيلية المنشورة لعام 2025 الحجم الذي بلغته منظومة طنجة المتوسط. فقد سجل الميناء تداول نحو 161 مليون طن من البضائع، بزيادة بلغت 13.3%، كما تجاوز تداول الحاويات 11.1 مليون حاوية مكافئة لعشرين قدمًا، بزيادة 8.4%.
وشملت المؤشرات كذلك مناولة 526,862 سيارة جديدة، واستقبال 535,203 شاحنات للنقل الدولي، إلى جانب 16,686 زيارة بحرية للسفن، من بينها 1,319 سفينة عملاقة يتجاوز طولها 290 مترا.
وتبرز أهمية هذه المؤشرات عندما تقرأ في إطار متكامل. فارتفاع إجمالي البضائع بالتوازي مع نمو تداول الحاويات يشير إلى توسع النشاط التجاري في أكثر من مسار، بينما تكشف حركة الشاحنات عن استمرار الدور المحوري للنقل البري في الربط بين الميناء والمصانع والأسواق.
وفي المقابل، شهدت مناولة السيارات الجديدة تراجعًا مقارنة بالعام السابق، وهو ما يذكرنا بأن أداء أي ميناء يظل مرتبطًا بتغيرات الطلب العالمي، ودورات الإنتاج الصناعي، وتحولات الأسواق وسلاسل الإمداد.
ومن المهم هنا ألا تتحول الأرقام إلى غاية في حد ذاتها؛ فقيمتها الحقيقية تكمن في تفسير ما تعنيه بالنسبة إلى الاقتصاد الوطني، ومدى مساهمتها في رفع الصادرات، وجذب الاستثمارات، وتوفير فرص العمل، وتحسين كفاءة التجارة.
وتعزز هذه النتائج المكانة الدولية للميناء، الذي يحتل موقعا متقدما بين موانئ العالم في تداول الحاويات، ويتصدر الموانئ الأفريقية والمتوسطية وفق التصنيفات المشار إليها في العرض التعريفي. غير أن الدرس الأهم لا يتعلق بالترتيب وحده، بل بالنموذج الذي أتاح الوصول إلى هذه المكانة والمحافظة على القدرة التنافسية.

محطات الحاويات… الشراكة الدولية والخبرة التشغيلية
تعتمد منظومة طنجة المتوسط على أربع محطات رئيسية للحاويات، تعمل من خلالها شركات ومجموعات تشغيل دولية متخصصة، هي:
TC1: تديرها APM Terminals، وبدأت التشغيل في يوليو 2007.
TC2: تديرها Eurogate، وبدأت التشغيل في أغسطس 2008.
TC3: تشغلها Tanger Alliance، وبدأت التشغيل في يناير 2021.
TC4: تديرها APM Terminals MedPort Tangier،
وبدأت التشغيل في يونيو 2019 وشهدت توسعات لاحقة.
ويكشف تنوع المشغلين عن أحد عناصر القوة في النموذج؛ إذ ترتبط البنية التحتية المحلية بخبرات دولية في تشغيل المحطات وإدارة تدفقات الحاويات والتعامل مع شبكات الخطوط الملاحية العالمية.
ومن بين المحطات التي تستحق الاهتمام محطة TC4، التي تعتمد على مستويات متقدمة من الأتمتة وتقنيات مناولة الحاويات في الساحات، وتتميز برصيف يبلغ طوله نحو كيلومترين، وبطاقة تصميمية تصل إلى نحو 5.2 مليون حاوية مكافئة سنويا.
وتعكس هذه التجربة تطور مفهوم الكفاءة المينائية؛ فلم تعد المنافسة قائمة على عدد الرافعات أو مساحة الساحات وحدهما، وإنما على إنتاجية المعدات، وتقليل زمن انتظار السفن، وسرعة تداول الحاويات، ودقة البيانات، والقدرة على تنسيق العمليات البحرية والبرية بصورة متكاملة.
وهنا تبرز أهمية الرقمنة والذكاء الاصطناعي؛ فالقيمة الحقيقية للتكنولوجيا لا تتحقق بمجرد اقتناء الأنظمة المتقدمة، وإنما عندما تُستخدم في التنبؤ بالازدحام، وتحسين تخصيص الأرصفة، وإدارة حركة المعدات، وتوقع أوقات الوصول، ورفع كفاءة استخدام الأصول.
محطات السيارات… عندما يصبح الميناء امتدادا للمصنع
من الجوانب المهمة التي تناولها العرض العلاقة الوثيقة بين ميناء طنجة المتوسط وصناعة السيارات المغربية.
فالميناء لا يستقبل السيارات بوصفها منتجات نهائية فحسب، بل يشكل جزءا من منظومة صناعية تربط المصانع بموردي المكونات ومحطات التصدير والسفن والأسواق الخارجية.
وتضم المنظومة محطة مرتبطة بإنتاج رينو في منطقة ملوسة، ومحطة متعددة المستخدمين لخدمة عمليات استيراد السيارات وتصديرها وإعادة شحنها، بما في ذلك السيارات المرتبطة بشبكات إنتاج دولية مثل Stellantis.
وتبلغ الطاقة السنوية المعلنة لمنظومة محطات السيارات نحو مليون سيارة، في حين سجل التداول الفعلي 526,862 سيارة جديدة خلال عام 2025.
وتكشف بيانات الحركة التي عرضت على الوفد عن مساهمة مصانع رينو في ملوسة والدار البيضاء، ومصنع Stellantis في القنيطرة، إلى جانب عمليات إعادة الشحن، في إجمالي حركة السيارات بالميناء.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا التكامل في أن المسافة بين المصنع والسفينة تصبح جزءا من معادلة التنافسية الصناعية. فكلما انخفضت تكاليف النقل والتخزين، وتحسنت دقة مواعيد الشحن، أصبحت الشركات أكثر قدرة على تنظيم الإنتاج وتلبية الطلب العالمي.
وهذا ما يجعل الميناء شريكا في العملية الصناعية، لا مجرد مقدم خدمة نقل. فنجاح صناعة السيارات لا يعتمد على كفاءة خطوط التجميع وحدها، بل يتطلب منظومة متكاملة من الموردين، والمخازن، والطرق، والسكك الحديدية، والمحطات، والخدمات الجمركية واللوجستية.
ومن هنا، فإن تطوير الموانئ العربية والأفريقية ينبغي أن يرتبط بسياسات صناعية واضحة، تستهدف جذب الاستثمارات الإنتاجية وتوطين سلاسل القيمة، بدل الاكتفاء بتوسيع قدرات المناولة دون بناء قاعدة اقتصادية قادرة على الاستفادة منها.

المناطق اللوجستية والصناعية… القوة الحقيقية وراء الأرصفة
من أبرز ما لفت انتباهنا في تجربة طنجة المتوسط أن المشروع لم ينشأ بوصفه منشأة مينائية معزولة عن محيطها، وإنما بوصفه محورا لمنظومة أوسع من المناطق الصناعية واللوجستية والتجارية.
وتشير البيانات المعروضة إلى وجود نحو 1,500 شركة ومشغل ضمن المنظومة الاقتصادية المرتبطة بطنجة المتوسط، في قطاعات تشمل السيارات والطيران والمنسوجات والصناعات الغذائية والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا.
وتضم هذه المنظومة عددا من المناطق المتخصصة من أبرزها:
1- منطقة Medhub اللوجستية: التي توفر خدمات التخزين وتجميع البضائع وتجهيز الطلبات والتعبئة ووضع الملصقات والفحص وإعادة التوزيع، بما يساعد الشركات على إدارة مخزونها وتدفقات تجارتها الدولية.
2- منطقة طنجة الحرة: التي تدعم الأنشطة الصناعية والخدمية والتصديرية، وتتيح للمصنعين الاستفادة من القرب المكاني بين الموردين وشبكات النقل الدولي.
3- مدينة طنجة للسيارات : التي تستهدف صناعة السيارات ومكوناتها، وتدعم تكوين تجمع صناعي يضم المصنعين وموردي المكونات والخدمات الفنية.
4- منطقة طنجة تك : المشروع الصناعي الأوسع نطاقًا الذي يستهدف استقطاب استثمارات وأنشطة صناعية متنوعة، مع ضرورة التمييز بين المساحات المخططة للتطوير والمساحات التي دخلت بالفعل مرحلة التشغيل.
5- تطوان بارك وتطوان شور: اللتان تدعمان الأنشطة الصناعية والتحويلية، والخدمات والأعمال الرقمية وخدمات الشركات، ضمن منظومة اقتصادية أوسع في شمال المغرب.
وتؤكد هذه التجربة أن القيمة المضافة لا تنشأ من حركة السفن وحدها، بل من الأنشطة التي تستقر حول الميناء وتستفيد من خدماته. فوجود الشركات الصناعية ومقدمي الخدمات اللوجستية والمخازن ومراكز التوزيع يخلق طلبًا مستمرا على النقل والتخزين والتجميع والتصدير، ويعزز فرص العمل والاستثمار.
والأهم أن هذه المناطق تساعد على تقليل المسافة الاقتصادية بين الإنتاج والأسواق؛ فالمصنع القريب من الميناء، والمتصل بشبكة نقل فعالة، يستطيع إدارة صادراته بكفاءة أعلى من مصنع يعتمد على منظومة نقل متقطعة أو طويلة المسار.
وهنا تكمن إحدى أهم رسائل طنجة المتوسط للموانئ العربية والأفريقية: لا يكفي أن نبني ميناءً متقدمًا؛ بل ينبغي أن نبني حوله اقتصادًا قادرًا على استخدامه وتغذيته بالنشاط والإنتاج.
النقل متعدد الوسائط… من السفينة إلى القطار والشاحنة
أظهر العرض المقدم للوفد أهمية الربط بين ميناء طنجة المتوسط وشبكات النقل الوطنية والدولية، بما يشمل السكك الحديدية والطرق السريعة وخدمات نقل الركاب والشاحنات عبر المضيق.
وتعمل محطة السكك الحديدية داخل مجمع الميناء منذ يونيو 2009، بالقرب من محطات الحاويات. وتضم ثلاثة مسارات رئيسية بطول نحو 800 متر لكل منها، إلى جانب مسار مخصص لوقوف القطارات، وتخدم نقل الحاويات والمنتجات النفطية والسيارات الجديدة بين الميناء والمراكز الاقتصادية المغربية.
ويتيح هذا الربط نقل كميات كبيرة من البضائع بصورة منتظمة، وتقليل الاعتماد على الشاحنات في بعض المسافات الطويلة، ودعم المصانع التي تحتاج إلى تدفقات تصدير متكررة ومنضبطة.
وفي الوقت نفسه، يرتبط الميناء بشبكة الطرق السريعة والوطنية التي تصل إلى المدن والمراكز الصناعية والتجارية بالمملكة، وهو ما يمنح النقل البري دوره الحيوي في عمليات التوزيع والتسليم.
أما خدمات الركاب والشاحنات والمركبات عبر مضيق جبل طارق، فتؤدي وظيفة مختلفة عن محطات الحاويات، إذ تتيح الربط البحري المباشر بين طنجة المتوسط وعدد من الموانئ الأوروبية، بما يدعم حركة النقل الدولي والبضائع التي تحتاج إلى عبور سريع ومنتظم.
وتتكامل هذه الأنماط الثلاثة في نموذج تشغيلي واحد: السفن العابرة للمحيطات تنقل التجارة العالمية، والقطارات تربط الميناء بالمراكز الصناعية، والشاحنات توفر المرونة في التوزيع والتسليم، فيما تسهم خدمات العبارات في الربط المباشر مع الضفة الأوروبية.
وهذا التكامل هو ما ينبغي أن يكون حاضرًا في أي استراتيجية لتطوير الموانئ؛ لأن القدرة التنافسية لا تتحدد عند بوابة الميناء، بل عبر كامل الرحلة التي تقطعها البضاعة من المصنع إلى المستهلك.

الطاقة الخضراء… تنافسية الموانئ في عصر إزالة الكربون
لم تقتصر جولتنا على محطات الحاويات والسيارات والمناطق اللوجستية، بل امتدت إلى مشروعات الطاقة المتجددة المرتبطة بمنظومة طنجة المتوسط، ومن أبرزها مشروع الطاقة الشمسية الكهروضوئية العائمة فوق مياه سد وادي الرمل بالقرب من الميناء.
وقد استمع الوفد إلى شرح حول المشروع الذي تبلغ قدرته المركبة المعلنة نحو 13 ميجاوات، مع إنتاج سنوي متوقع يقدر بنحو 20 جيجاوات ساعة، وفق البيانات المعروضة عن المشروع.
وتكمن أهمية هذه التجربة في توظيف سطح بحيرة مائية قائمة لإنتاج الكهرباء المتجددة، بما يربط بين إدارة الموارد المائية والطاقة النظيفة واحتياجات النشاط المينائي.
كما طرحت إمكانية الحد من فاقد التبخر بوصفها إحدى الفوائد المحتملة للمشروع، مع أهمية تقييم أثرها الفعلي في ضوء الظروف المناخية والهيدرولوجية المحلية.
وشملت الزيارة كذلك الاطلاع على مشروعات طاقة الرياح والكهرباء الخضراء في المنطقة، ومنها مشروع طنجة 1 لطاقة الرياح، الذي تبلغ قدرته المركبة نحو 140 ميجاوات، ويضم 165 توربينًا، مع إنتاج سنوي متوسط مقدر بنحو 510 جيجاوات ساعة.
وتعكس هذه المشروعات توجهًا نحو جعل الطاقة المتجددة جزءا من البنية التشغيلية للميناء، لا مجرد نشاط بيئي منفصل. وقد أُشير خلال العرض إلى أن الميناء يعتمد على مصادر كهرباء خضراء لتغطية احتياجاته الكهربائية منذ الأول من يناير 2025.
وتتزايد أهمية هذا التوجه مع التحولات التي تشهدها التجارة البحرية العالمية، والضغوط المتصاعدة لخفض الانبعاثات الكربونية، واهتمام شركات الملاحة والمستثمرين الصناعيين بالبصمة البيئية للموانئ وسلاسل الإمداد.
فالميناء الذي يستطيع إدارة طاقته بكفاءة، وتأمين مصادر كهرباء منخفضة الانبعاثات، وتطوير حلول لتقليل الأثر البيئي لأنشطته، يعزز قدرته على الاستجابة لمتطلبات الأسواق المستقبلية.
ومن هنا، فإن الاستثمار في الطاقة المتجددة لا ينبغي النظر إليه باعتباره تكلفة إضافية فقط، بل باعتباره عنصرًا من عناصر المرونة الاقتصادية والتنافسية طويلة الأجل.

ماذا تعني تجربة طنجة المتوسط للموانئ المصرية والعربية والأفريقية؟
بعد الاطلاع على مختلف مكونات هذه المنظومة، أرى أن تجربة طنجة المتوسط تقدم مجموعة من الدروس الاستراتيجية التي تستحق الدراسة في مصر والدول العربية والأفريقية، مع مراعاة اختلاف الظروف الجغرافية والمؤسسية والاقتصادية من دولة إلى أخرى.
الدرس الأول: التخطيط للميناء باعتباره منظومة اقتصادية متكاملة.
إن بناء الأرصفة والمحطات يمثل خطوة أساسية، لكنه لا يحقق كامل العائد المتوقع ما لم يرتبط بمناطق صناعية وتجارية ولوجستية، وبشبكات الموردين ومراكز التوزيع. فالميناء الأكثر تأثيرا هو الذي يساهم في خلق النشاط الاقتصادي، وليس فقط استقبال النشاط الموجود بالفعل.
الدرس الثاني: ربط الميناء بسياسات التصنيع والتصدير.
توضح تجربة السيارات أن الميناء يمكن أن يصبح امتدادا لخط الإنتاج الصناعي. ومن ثم، فإن تطوير الموانئ ينبغي أن يتكامل مع جذب الاستثمارات الصناعية، وتنمية الصناعات المغذية، وتحسين الخدمات الجمركية واللوجستية، بما يرفع القيمة المضافة المحلية.
الدرس الثالث: جعل النقل متعدد الوسائط أولوية استراتيجية.
لا تستطيع الطرق وحدها تلبية جميع احتياجات التجارة، كما لا تستطيع السكك الحديدية أو النقل البحري أداء الدور نفسه منفردة. إن التكامل بين هذه الأنماط هو ما يتيح خفض التكاليف، وتحسين انتظام الشحنات، وتقليل الاختناقات، وتعزيز كفاءة استخدام البنية التحتية.
الدرس الرابع: الانتقال من المنافسة في أحجام التداول إلى المنافسة في جودة الأداء.
فالمؤشرات الأكثر أهمية للمستقبل لا تقتصر على عدد الحاويات، بل تشمل زمن انتظار السفن، وإنتاجية الرافعات، ومدة بقاء الحاويات، ودقة مواعيد الوصول، وتكلفة المناولة، وكفاءة استغلال الأصول.
الدرس الخامس: توظيف الذكاء الاصطناعي في حل مشكلات تشغيلية محددة.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد على التنبؤ بالازدحام، وتحسين جدولة الأرصفة، وإدارة حركة الشاحنات، وتوقع أوقات الوصول، وتحسين الصيانة، ورفع دقة المعلومات المتبادلة بين أطراف سلسلة الإمداد. لكن النجاح يتطلب بيانات موثوقة، وتكاملا بين الأنظمة، وكفاءات بشرية قادرة على تحويل الأدوات الرقمية إلى نتائج قابلة للقياس.
الدرس السادس: إدماج الطاقة النظيفة في استراتيجية التنافسية المينائية.
إن التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة وتحسين كفاءة الاستهلاك وخفض الانبعاثات يمكن أن يدعم القدرة على جذب الاستثمارات والاستجابة لمتطلبات التجارة الدولية.
ويكتسب هذا الدرس أهمية خاصة للموانئ التي تطمح إلى ترسيخ دورها في سلاسل الإمداد العالمية خلال العقود المقبلة.
الدرس السابع: بناء الكفاءات البشرية والشراكات العلمية.
لا يمكن استنساخ تجربة ناجحة بمجرد نقل تصميماتها الهندسية أو شراء معدات مماثلة. فالتطوير المستدام يتطلب كوادر متخصصة في تشغيل المحطات، وتحليل البيانات، وإدارة سلاسل الإمداد، والطاقة، والأمن السيبراني، والتخطيط الاستراتيجي.
وهنا تبرز أهمية المؤسسات الأكاديمية المتخصصة، وفي مقدمتها الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري ممثلة فى كلية النقل الدولى واللوجستيات بالمقر الرئيسى ، بما تمتلكه من خبرات تعليمية وبحثية وتدريبية في النقل الدولي واللوجستيات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
ست ساعات من المشاهدة… ودروس تتجاوز حدود الميناء
استغرقت جولتنا التفقدية للميناء ومرافقه ومحطاته ومناطقه اللوجستية، إلى جانب زيارة منطقة مضيق جبل طارق، نحو ست ساعات من المعاينة والاستماع والمناقشة.
لكن القيمة الحقيقية لهذه الساعات لم تكن في عدد المواقع التي شملتها الزيارة، وإنما في القدرة على رؤية عناصر المنظومة مجتمعة: السفن في الممر البحري، والمحطات التي تديرها شركات عالمية، والسيارات المرتبطة بالمصانع، والقطارات والشاحنات، والمناطق الصناعية واللوجستية، ومشروعات الطاقة المتجددة.
فكل عنصر من هذه العناصر يؤدي وظيفة محددة، لكن القوة الاستراتيجية تنشأ من الترابط بينها، ومن وجود رؤية تجعلها تعمل في اتجاه واحد.
وبعد انتهاء البرنامج الميداني، اصطحبنا الأستاذ محمد الجعبق في جولة بمدينة طنجة للتعرف على عدد من معالمها التاريخية، وزيارة منطقة الصخرة التي تتيح مشاهدة المشهد الجغرافي الفريد عند التقاء المحيط الأطلسي والبحر المتوسط في محيط مضيق جبل طارق.
واختتم اليوم بدعوة كريمة من رئيس الجمعية المغربية للنقل واللوجستيك إلى عشاء مغربي أصيل، عكس جانبًا من خصوصية المدينة وثراء ثقافتها وكرم أهلها. ثم رافق الوفد إلى محطة قطار طنجة، حيث استقللنا قطار البراق في رحلة العودة إلى الدار البيضاء.
ووصلنا في منتصف الليل، بعد يوم طويل حافل بالمشاهدات والحوارات والانطباعات التي ستظل حاضرة في الذاكرة.
وأجد من واجبي، في سياق توثيق هذه التجربة، أن أعرب عن تقديري لكل من أسهم في تنظيم الزيارة وإنجاحها، من قيادات ميناء طنجة المتوسط والاتحاد الأفريقي لمنظمات النقل واللوجستيات والجمعية المغربية للنقل واللوجستيك، لما أبدوه من تعاون واهتمام وإتاحة الفرصة أمام وفد الأكاديمية للاطلاع على هذه التجربة المهمة.
واخيرا ، ستظل زيارتي مع وفد الأكاديمية إلى طنجة المتوسط أكثر من محطة في برنامج مشاركة دولية؛ ستبقى تجربة ميدانية وشهادة على مرحلة تتغير فيها وظيفة الموانئ، وتتسع فيها العلاقة بين الجغرافيا والاقتصاد، وتصبح فيها المعرفة والابتكار والاستدامة عناصر حاسمة في صناعة التنافسية.
فالميناء الذي يقرأ الجغرافيا بعين الاقتصاد، ويدير البنية التحتية بعقل التكنولوجيا، ويربط الصناعة بالتجارة، ويجعل الاستدامة جزءا من تشغيله، لا يكتفي باستقبال سفن العالم؛ بل يصنع لنفسه مكانا مؤثرا في حركة العالم.










































