صفحات مضيئة فى تاريخ النقل البحرى

بقلم : الدكتور مصطفى رشيد
برحيل اللواء بحري أ.ح. محمود حاتم القاضي مساء الأحد الموافق 19 أبريل 2026 ، فقدت مصر والعالم العربي واحداً من أبرز رواد العمل البحري والمؤسسي الذين أسهموا على مدى أكثر من ستة عقود في صياغة ملامح تطور قطاع النقل البحري في المنطقة. فقد كان الراحل نموذجاً للقائد الذي جمع بين الخبرة العسكرية العميقة والرؤية الاقتصادية الاستراتيجية والقدرة على بناء المؤسسات المهنية القادرة على الاستمرار والتأثير.
إن قراءة سيرة اللواء بحرى أ.ح. حاتم القاضي لا تقتصر على كونها استذكاراً لمسيرة شخصية ناجحة ، بل تمثل في جوهرها قراءة لمرحلة تاريخية من تطور قطاع النقل البحري في مصر والعالم العربي. فقد ارتبط اسمه بعدد من المبادرات المؤسسية التي أسهمت في إعادة تشكيل البيئة المهنية والتنظيمية للمجتمع الملاحي ، وأسهمت في تعزيز العمل العربي المشترك في مجال النقل البحري.

اولا : النشأة والتكوين المبكر
ولد اللواء بحري أ.ح محمود حاتم القاضي في 23 سبتمبر عام 1935 بمدينة القاهرة، حيث تلقى تعليمه الأساسي والثانوي في مدارسها. ومنذ سنواته الدراسية الأولى ظهرت ملامح شخصيته القيادية، إذ تميز بالتفوق الدراسي والنشاط الرياضي، وكان من اللاعبين المميزين في رياضة الهوكي الميداني خلال المرحلة الثانوية، وهي الرياضة التي صقلت لديه روح الفريق والانضباط والإصرار، وهي القيم التي ستلازمه طوال مسيرته المهنية والعسكرية.

ثانيا : المسيرة العسكرية والتأهيل العلمي
التحق اللواء حاتم القاضي بالكلية البحرية المصرية، وتخرج فيها عام 1955 ضمن الدفعة السابعة بحرية، في فترة كانت فيها القوات البحرية المصرية تشهد مرحلة تأسيس وبناء مهمين. وبعد تخرجه التحق بسلاح المدمرات، حيث تخصص في المدفعية الساحلية، وهو أحد التخصصات الدقيقة في العلوم العسكرية البحرية.
وخلال خدمته بالقوات البحرية شارك في العديد من المهام البحرية المهمة، وكان من أبرزها مشاركته في تأمين الرحلة التاريخية للرئيس جمال عبد الناصر على متن يخت الحرية إلى يوغسلافيا في يوليو 1958، وهي الرحلة التي عكست آنذاك متانة العلاقات المصرية اليوغسلافية في إطار حركة عدم الانحياز.
وخلال هذه المهمة كان الملازم أول حاتم القاضي يعمل على المدمرة الظافر، وكان مسؤولاً عن المدفعية الساحلية للمدمرة، ضمن فريق عمل ضم نخبة من ضباط البحرية المصرية منهم المرحوم المقدم محمود فهمي ضابط أول المدمرة، والنقيب فاروق ملش، والملازم أول رشاد أبو العزم،
وفي عام 1959 تم إيفاده في بعثات علمية إلى الاتحاد السوفيتي وأذربيجان لدراسة العلوم البحرية المتقدمة، حيث حصل على درجة الماجستير في الملاحة البحرية، كما نال خلال فترة إيفاده درجة الدكتوراه في الهندسة البحرية، وهو ما أتاح له الجمع بين الخبرة العسكرية الصلبة والمعرفة العلمية المتقدمة.
وقد تدرج اللواء حاتم القاضي في المناصب القيادية بالقوات البحرية المصرية، وكان من أبرز المواقع التي شغلها قيادة لواء المدمرات، وهو أحد التشكيلات الرئيسية في القوات البحرية، إلى أن وصل إلى رتبة اللواء البحري قبل أن ينهي خدمته العسكرية في يناير 1983، بعد مسيرة مشرفة امتدت قرابة ثلاثة عقود في خدمة الوطن.

ثالثا : الدور التاريخي في تطوير القطاع الملاحي الخاص في مصر
عند خروج اللواء حاتم القاضي من القوات البحرية عام 1983 كانت منظومة النقل البحري في مصر تمر بمرحلة انتقالية مهمة. فقد كان القطاع البحري يعتمد إلى حد كبير على المؤسسات الحكومية التقليدية، بينما كان دور القطاع الخاص في هذا المجال محدوداً نسبياً.
وفي هذا السياق اتخذ اللواء حاتم القاضي قراراً استراتيجياً بالاتجاه إلى تأسيس كيان ملاحي خاص قادر على العمل وفق معايير احترافية حديثة. ففي أكتوبر 1983 أسس شركة كادمار للملاحة، التي أصبحت لاحقاً نواة لمجموعة شركات كبرى عرفت باسم مجموعة كادمار القابضة.
وقد اعتمد في بناء هذا الكيان على فلسفة إدارية تجمع بين الانضباط المؤسسي الذي اكتسبه من تجربته العسكرية والرؤية الاقتصادية التي استوعبت التحولات العالمية في صناعة النقل البحري والخدمات اللوجستية.
وخلال العقود الأربعة التالية تطورت مجموعة كادمار لتصبح إحدى المؤسسات الرائدة في القطاع الملاحي المصري، حيث توسعت أنشطتها لتشمل الملاحة البحرية والتوكيلات الملاحية والخدمات اللوجستية والسياحة البحرية.
لكن الأهمية الحقيقية لدور اللواء حاتم القاضي لم تقتصر على نجاح شركته فحسب ، بل تمثلت في إسهامه في ترسيخ نموذج جديد للقطاع الملاحي الخاص في مصر يقوم على الإدارة الاحترافية والاندماج في المنظومة الاقتصادية الدولية للنقل البحري.
ومن هذا المنظور يمكن القول إن تجربة كادمار كانت جزءاً من التحول الأوسع الذي شهدته مصر في الثمانينيات والتسعينيات نحو تعزيز دور القطاع الخاص في القطاعات الاقتصادية الحيوية ، بما في ذلك قطاع النقل البحري.

رابعا : تأسيس المجتمع الملاحي المصري المؤسسي
كان اللواء حاتم القاضي يدرك أن تطور قطاع النقل البحري لا يعتمد فقط على نجاح الشركات الفردية، بل يتطلب وجود كيانات مهنية تمثل المجتمع الملاحي وتدافع عن مصالحه وتسهم في تطوير السياسات البحرية.
ومن هذا المنطلق بادر في عام 1996 إلى تأسيس غرفة ملاحة الإسكندرية كأول غرفة ملاحية في تاريخ مصر. وقد شكل تأسيس هذه الغرفة تحولاً مهماً في تنظيم المجتمع الملاحي المصري ، حيث أصبحت منصة للحوار بين الشركات الملاحية والجهات الحكومية المعنية بالنقل البحري.
كما أسهمت الغرفة في تعزيز التنسيق بين مختلف الأطراف العاملة في القطاع الملاحي ، وساعدت على بلورة رؤية مشتركة لتطوير هذا القطاع الحيوي.
وقد أصبحت هذه التجربة لاحقاً نموذجاً يحتذى به في تنظيم المجتمع الملاحي المصري.

خامسا : دور الاتحاد العربي لغرف الملاحة البحرية في منظومة العمل العربي المشترك
انطلاقاً من رؤيته بأن مستقبل النقل البحري العربي يعتمد على تعزيز التعاون بين الدول العربية ، أسهم اللواء. حاتم القاضي في عام 2002 في تأسيس الاتحاد العربي لغرف الملاحة البحرية تحت مظلة مجلس الوحدة الاقتصادية العربية التابع لجامعة الدول العربية.
وقد مثل هذا الاتحاد خطوة مؤسسية مهمة نحو إنشاء إطار عربي يجمع غرف الملاحة والشركات الملاحية في الدول العربية.
وخلال سنوات قيادته للاتحاد استطاع أن يحوله إلى أحد الاتحادات العربية المتخصصة الأكثر نشاطاً وتأثيراً ضمن منظومة العمل العربي المشترك ، حيث أصبح الاتحاد منصة للحوار المهني العربي في مجال النقل البحري وذراعاً فنياً مسانداً لمجلس وزراء النقل العرب .
كما شهد الاتحاد خلال تلك الفترة تعاوناً وثيقاً مع عدد من المؤسسات والهيئات المصرية والعربية ، ومن بينها:
– وزارة النقل المصرية وهيئاتها المختلفة
– مجلس وزراء النقل العرب
– مجلس الوحدة الاقتصادية العربية
– الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري
وقد أسهم في تنظيم العديد من المؤتمرات والاجتماعات العربية التي ناقشت قضايا تطوير النقل البحري والتجارة البحرية العربية.
وقد تعاقب على دعم أنشطة الاتحاد عدد من الأمناء العامين لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية ومن بينهم الدكتور أحمد جويلي والسفير محمد الربيع والسفير محمدي الني.

سادسا : الشراكة الاستراتيجية مع الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري
كانت علاقة اللواء حاتم القاضي بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري علاقة تاريخية تعود إلى بدايات تأسيس الأكاديمية على يد رئيسها المؤسس الدكتور جمال الدين مختار، الذي كان زميلاً له في القوات البحرية المصرية.
وقد تعززت هذه العلاقة لتصبح شراكة استراتيجية مع تولي الدكتور إسماعيل عبد الغفار إسماعيل فرج رئاسة الأكاديمية.
وقد أثمر هذا التعاون عن العديد من المبادرات والدراسات المهمة، من أبرزها:
1- إعداد مشروع الربط البحري العربي الذي تم اعتماده في القمة العربية التنموية الاقتصادية والاجتماعية الثانية .
2- تنظيم ورشة العمل العربية المشتركة في بيروت عام 2012 حول تفعيل مشروع الربط البحري العربي ، تنفيذا وتفعيلا لقرارات القمة العربية التنموية الثانية .
3- التنظيم المشترك لمؤتمر الاتجاهات الحديثة في أنظمة النقل البري في المنطقة العربية بالتعاون مع الاتحاد الدولي للنقل على الطرق (IRU) عام 2012 ، وذلك على هامش مجلس وزراء النقل العرب – دورة اكتوبر 2012 .
4- تنظيم ورش العمل العربية حول إنشاء وتفعيل تكتل بحري عربي في الإسكندرية عام 2018 بتكليف من مجلس وزراء النقل العرب.
كما شارك الاتحاد بالتعاون مع الأكاديمية في إعداد العديد من الدراسات الاستراتيجية، منها:
1- دراسة إنشاء شركة ملاحة عربية – أمريكية جنوبية
2- دراسة آلية إنشاء وتفعيل تكتل بحري عربي
وقد أسهمت هذه الدراسات في دعم السياسات البحرية العربية وتعزيز التكامل بين موانئ وشركات النقل البحري في المنطقة.

سابعا : قراءة استراتيجية لدوره في سياسات النقل البحري العربي
من منظور استراتيجي يمكن القول إن اللواء حاتم القاضي كان من الشخصيات التي أسهمت في إدخال البعد المهني للقطاع الخاص في عملية صياغة السياسات البحرية العربية.
فمن خلال دوره في قيادة الاتحاد العربي لغرف الملاحة البحرية عمل على بناء قنوات تواصل مؤسسية بين المجتمع الملاحي العربي وصناع القرار في مجال النقل البحري على المستوى العربي ، لا سيما في إطار التعاون مع مجلس وزراء النقل العرب.
وقد أسهم الاتحاد تحت قيادته في إعداد عدد من الدراسات وأوراق العمل التي دعمت مناقشات المجلس حول تطوير منظومة النقل البحري العربي، ومن بينها دراسات تتعلق بإنشاء خطوط ملاحية عربية مشتركة وتعزيز التكامل بين الموانئ العربية.
كما أسهمت المبادرات التي دعمها الاتحاد في تعزيز الحوار العربي حول أهمية تطوير منظومة النقل البحري باعتبارها أحد الركائز الأساسية لتحقيق التكامل الاقتصادي العربي.

ثامنا : العمل المجتمعي والإنساني
لم يكن اللواء حاتم القاضي رجل أعمال وقائداً مهنياً فحسب ، بل كان أيضاً صاحب إسهامات اجتماعية بارزة. فقد شارك بالتعاون مع محمد رجب رئيس ومؤسس جمعية رجال أعمال الإسكندرية في تأسيس لجنة الزكاة بالجمعية ، وتولى رئاستها لأكثر من خمسة وعشرين عاماً، حيث ساهمت اللجنة في دعم العديد من الأنشطة الخيرية والاجتماعية.

خاتمة: رجل صنع جزءاً من تاريخ الملاحة العربية
إن مسيرة اللواء بحري أ.ح. محمود حاتم القاضي تمثل نموذجاً نادراً للقادة الذين استطاعوا أن يتركوا بصمة حقيقية في تاريخ قطاع النقل البحري المصرى والعربى .
فقد جمع بين الخبرة العسكرية والعلمية والرؤية الاقتصادية والقدرة على بناء المؤسسات ، وأسهم من خلال هذه العناصر مجتمعة في تطوير القطاع الملاحي المصري ، وفي بناء إطار مؤسسي عربي للتعاون في مجال النقل البحري.
وبرحيله تفقد الأسرة البحرية العربية أحد أبرز رموزها ، غير أن إرثه المؤسسي والفكري سيظل حاضراً في مسيرة تطوير النقل البحري العربي لسنوات طويلة قادمة.
رحم الله اللواء بحري أ.ح. محمود حاتم القاضي ، وجعل ما قدمه من عطاء في خدمة وطنه وأمته في ميزان حسناته ، وستظل سيرته مصدر إلهام للأجيال القادمة من أبناء المجتمع الملاحي في مصر والعالم العربي.


































