تكشف فكرة المصانع الحاضنة عن نموذج مختلف لدعم المشروعات الصناعية الصغيرة والمتوسطة في مصر، يقوم على نقلها من العمل في سوق مفتوحة لا تضمن وجود طلب مستقر إلى العمل داخل سلاسل توريد الشركات الصناعية الكبرى، من خلال تصنيع مكونات وأجزاء محددة وفق احتياجات إنتاجية فعلية.
وأوضح مستثمرون أن النموذج المقترح يعتمد على توزيع مراحل الإنتاج بين الشركات الكبيرة والمصانع الصغيرة، بحيث تتولى المنشآت الصغيرة تصنيع مكونات أو أجزاء معينة، بينما تقوم الشركات الكبرى بعمليات التجميع والتصنيع النهائي والتسويق، وهو ما يمنح المصنع الصغير سوقًا محددة بدلًا من إنتاج سلعة ثم البحث عن مشترٍ لها.
طلب حقيقي يغير طريقة عمل المصانع الصغيرة
وأشار هشام كمال، رئيس جمعية دعم وتنمية مستثمري المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، إلى أن ربط المصنع الصغير بشركة صناعية كبرى يمكن أن يوفر له طلبًا منتظمًا على إنتاجه، بما يساعده على استعادة نشاطه وزيادة معدلات التشغيل وتنمية أعماله.
وتختلف هذه الآلية عن الدعم التقليدي الذي يركز على توفير التمويل فقط، لأن المصنع يحصل في هذه الحالة على فرصة مرتبطة بطلب فعلي من السوق، بينما تستطيع الشركة الكبرى تأمين جزء من احتياجاتها من موردين محليين بدلًا من الاعتماد الكامل على مصادر خارجية.
الأجهزة المنزلية نموذج قابل للتوسع
وكشف المستثمرون أن قطاع المصانع الحاضنة المنزلية يمكن أن يكون أحد المجالات المناسبة لتطبيق النموذج، من خلال تقسيم تصنيع المكونات الفرعية بين مجموعة من المصانع الصغيرة المتخصصة، بينما تحتفظ الشركة الكبرى بمراحل التجميع واختبارات الجودة والتسويق.
ويفتح هذا الأسلوب المجال أمام إنشاء شبكة من الموردين المحليين حول الشركات الكبيرة، بحيث لا تكون الصناعة الكبرى منفصلة عن المشروعات الصغيرة، وإنما تتحول الأخيرة إلى جزء فعلي من دورة الإنتاج، وهو ما يمكن أن يزيد الطلب على المكونات المصنعة محليًا.
أسيوط تضم نحو ألف مصنع داخل المناطق الصناعية
وأوضح محمد حمدالله، رئيس جمعية مستثمري أسيوط، أن المحافظة تضم 7 مناطق صناعية يعمل بها نحو ألف مصنع، وهو ما يبرز حجم القاعدة الصناعية التي يمكن أن تستفيد من ربط المصانع الصغيرة بسلاسل توريد الشركات الكبرى.
وتكمن أهمية هذا الربط في أن المصنع الصغير لا يحتاج بالضرورة إلى امتلاك علامة تجارية ضخمة أو شبكة توزيع واسعة حتى ينمو، إذ يمكن أن يعتمد جزء من نشاطه على تصنيع مكونات محددة لصالح شركات أكبر، بشرط امتلاكه القدرة الفنية والالتزام بالمواصفات ومواعيد التسليم.
الجودة تتحول إلى شرط للدخول في السلاسل
وأكد مستثمرون أن إدخال المصانع الصغيرة في سلاسل التوريد لن يكون بصورة عشوائية، وإنما يحتاج إلى تقييم فني واقتصادي لقدرات كل مصنع، خاصة أن التعامل مع الشركات الكبرى يتطلب مستويات محددة من الجودة والانتظام والقدرة على تلبية الكميات المطلوبة.
وأضاف محمد المهندس، رئيس غرفة الصناعات الهندسية باتحاد الصناعات، أن دخول المصنع الصغير في سلسلة توريد شركة كبرى يدفعه إلى تطوير نظم الإنتاج والجودة، وهو ما يمكن أن يرفع قدرته التنافسية ويفتح أمامه أسواقًا جديدة.
الشركات الكبرى تتحول من مشترٍ إلى شريك
وتابع مجد الدين المنزلاوي، رئيس لجنة الصناعة بجمعية رجال الأعمال المصريين، أن دور الشركات الكبرى يمكن أن يتجاوز مجرد شراء المكونات إلى نقل الخبرات الفنية وتطوير المواصفات، بما يساعد الموردين المحليين على الوصول إلى مستويات الجودة المطلوبة.
ويعني ذلك أن العلاقة بين الطرفين يمكن أن تتحول إلى شراكة صناعية غير مباشرة، تحصل خلالها الشركة الكبرى على مورد محلي أكثر قربًا من خطوط الإنتاج، بينما يحصل المصنع الصغير على المعرفة الفنية والسوق والطلب المستقر.
النموذج يدعم تعميق التصنيع المحلي
وتكشف «منصة سوق المال» أن أهمية المصانع الحاضنة تتجاوز مساعدة المشروعات الصغيرة في بيع منتجاتها، لأن نجاح النموذج يمكن أن يضيف طبقة جديدة إلى الصناعة المحلية عبر زيادة عدد الشركات التي تنتج المكونات والقطع الوسيطة.
وتزداد أهمية هذا الاتجاه في القطاعات التي تعتمد على عدد كبير من المكونات، إذ يمكن توزيع الإنتاج على شبكة من المصانع الصغيرة بدلًا من ترك عملية التصنيع متركزة داخل عدد محدود من الشركات الكبرى، ما يوسع قاعدة المستفيدين من النشاط الصناعي.
من مصنع صغير إلى مورد معتمد
وتوضح التجربة المقترحة أن الطريق أمام المصنع الصغير يمكن أن يبدأ من تنفيذ طلبات محددة لشركة كبرى، ثم تطوير المعدات ونظم الجودة والعمالة، وبعدها الانتقال إلى التعامل مع أكثر من عميل وفتح أسواق جديدة.
وتبقى قدرة النموذج على الانتشار مرتبطة بوجود آليات واضحة لتقييم المصانع وربطها باحتياجات الشركات، إلى جانب توفير التمويل اللازم للتطوير، وإتاحة لقاءات مباشرة بين الطرفين، وهي آلية أشار المستثمرون إلى أهميتها من خلال تنظيم فعاليات أعمال تجمع المشترين الصناعيين بالموردين المحتملين.
سلاسل التوريد تفتح بابًا جديدًا للمشروعات
وتشير الفكرة في النهاية إلى أن المصانع الحاضنة المصانع الصغيرة لا يرتبط فقط بقدرتها على إنتاج سلعة وبيعها في السوق، وإنما بقدرتها على الدخول في منظومة إنتاج أكبر، بحيث يصبح المصنع جزءًا من سلسلة توريد مستقرة تمتد من المكون إلى المنتج النهائي.
وإذا تحولت «المصانع الحاضنة» إلى نموذج واسع التطبيق، فإن أثرها لن يقتصر على تشغيل وحدات إنتاج صغيرة، وإنما يمكن أن يمتد إلى زيادة المكون المحلي، وتطوير الموردين، ورفع كفاءة الصناعة، وخلق فرص جديدة أمام الشركات الصغيرة للدخول إلى سلاسل إنتاج الشركات الكبرى والأسواق التصديرية.










































