ناقش خبراء ومسؤولو كبرى شركات التكنولوجيا العالمية، خلال ندوة متخصصة بعنوان مصانع الذكاء الاصطناعي.. سباق عالمي لبناء بنية تحتية تنتج ذكاء المستقبل، على هامش فعاليات معرض ومؤتمر القاهرة الدولي للتكنولوجيا Cairo ICT 2026، ملامح التحول العالمي نحو إنشاء بنية تحتية متكاملة قادرة على استيعاب التوسع المتسارع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وأكد المشاركون أن المنافسة لم تعد تقتصر على تطوير النماذج والخوارزميات، بل امتدت إلى امتلاك قدرات حوسبية متطورة ومراكز بيانات فائقة الأداء وأنظمة تخزين وشبكات متكاملة، إلى جانب تأمين البنية التحتية وحماية البيانات وتهيئتها للاستثمار.
وسلطت المناقشات الضوء على أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات في الانتقال من التجارب الأولية إلى التشغيل التجاري واسع النطاق، وأهمية تكامل التكنولوجيا والأمن السيبراني والكوادر البشرية وجاهزية البيانات، باعتبارها ركائز أساسية لبناء مصانع الذكاء الاصطناعي وتعزيز تنافسية المؤسسات في الاقتصاد الرقمي.
تعثر الشركات الناشئة بسبب البنية التحتية وليس الخوارزميات
أدار الندوة المهندس عمرو النجار، مدير أول لقنوات البيع والحلول الفنية المسبقة لمنطقة وسط وشرق أوروبا والشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا بشركة Dell Technologies.
وأكد أن العديد من الشركات الناشئة العاملة في قطاع الذكاء الاصطناعي تواجه تحديات جوهرية تعيق انتقالها من مرحلة إثبات الكفاءة Proof of Concept – PoC إلى مرحلة الإنتاج التجاري والتوسع الواسع.
وأشار إلى أن سبب تعثر هذه الشركات لا يعود إلى قصور في خوارزميات الذكاء الاصطناعي أو النماذج المستخدمة، بل يكمن أساسا في تحديات البنية التحتية التقليدية Infrastructure.
وأوضح النجار أن التغلب على هذه العقبات يتطلب التحول نحو تبني مفهوم مصانع الذكاء الاصطناعي AI Factories، الذي يقوم على التنسيق والدمج الشامل لقدرات الحوسبة Compute وأنظمة التخزين Storage والشبكات Networking وخطوط تدفق البيانات Data Pipeline داخل نظام متكامل واحد System Integration، بدلا من الاعتماد على جزر تكنولوجية معزولة Silos تبطئ عملية التشغيل والتطوير.
وأضاف أن شركة دل تكنولوجيز تركز جهودها على مساعدة قطاع الأعمال في تصميم بناه التحتية بمرونة تامة، لضمان نجاح تطبيقات الذكاء الاصطناعي واستدامتها.
وأكد أن الاعتماد على حلول البنية التحتية المتكاملة Integrated Infrastructure هو المفتاح الرئيسي لتمكين الشركات من الانتقال بسلاسة نحو التشغيل التجاري واسع النطاق، وتحقيق أقصى العوائد الاستثمارية المرجوة من تقنيات المستقبل.
مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تعتمد على بنية النسيج المتقدمة
وأكد المهندس محمود عزت، استشاري حلول ما قبل البيع بشركة HPE، أن تصميم مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي وبناءها يختلفان جذريا عن مراكز البيانات التقليدية أو السحابية المعتادة، إذ تعتمد على بنية النسيج المتقدمة Fabric Architecture.
وأوضح أن البنية الأساسية لهذه المراكز تنقسم إلى ثلاثة قطاعات رئيسية، هي نسيج معالجات الرسومات GPU Fabric، ونسيج الحوسبة Compute Fabric، ونسيج التخزين Storage Fabric.
وأشار إلى أن نسيج وحدات معالجة الرسومات يعتمد على هندسة كلوس Clos Architecture، بما يمكن المؤسسات من التوسع الأفقي Scale-out بسلاسة، ليصل حجم التشغيل إلى آلاف وحدات GPU بدلا من الأعداد المحدودة.
وأضاف أن إدارة هذه المنظومة المعقدة تتطلب وجود نظام تنسيق واستشعار مركزي Orchestrator لجميع المكونات من شبكات وحوسبة وتخزين، لتعمل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي كوحدة حاسوبية فائقة ومتكاملة، تضمن أعلى مستويات المرونة والكفاءة التشغيلية.
تأمين البنية التحتية الحرجة أولوية للدول الناشئة
وأكد المهندس محمد عبد الفتاح، مدير التطوير بشركة فورتينت لمصر وشرق أفريقيا، أن تأمين البنية التحتية الحرجة وقطاعات التشغيل الحيوية، مثل المرافق والنقل والتصنيع، بات أولوية قصوى للدول الناشئة مثل مصر، بالتزامن مع طفرة التحول الرقمي وحوكمة أحمال الذكاء الاصطناعي.
وأوضح أن تكنولوجيا التشغيل Operational Technology – OT تختلف جوهريا عن تكنولوجيا المعلومات التقليدية IT، فبينما تركز تقنية المعلومات على تأمين البيانات، تعنى تكنولوجيا التشغيل بالتحكم والمراقبة والتأثير المباشر على البيئة الفيزيائية والمادية للمنشآت والمصانع.
وشدد على أن العنصر البشري يظل العامل الحاسم والأهم داخل أي بيئة تشغيلية آمنة.
وأشار إلى وجود معايير عالمية دقيقة ومتكاملة يمكن الاستعانة بها للوفاء بالاشتراطات الأمنية اللازمة، مثل معيار IEC 62443 المخصص لأتمتة وأنظمة التحكم الصناعي، إلى جانب معيار NIST 800-82 المعني بأمن تكنولوجيا التشغيل.
وأكد أن الأنظمة الأمنية داخل المصانع تتطلب ترخيصا وبروتوكولات متخصصة تتجاوز جدران الحماية التقليدية المخصصة لشبكات الحواسيب، لضمان قراءة لغة الأتمتة الصناعية وكودها وفهمهما.
وأضاف أن المخترقين ومرتكبي الهجمات السيبرانية بدأوا يركزون بصورة ملحوظة على ما يعرف بالهجمات غير المباشرة Indirect Attacks، إذ يستهدف المهاجمون المكونات غير الحاسوبية، مثل المستشعرات ووحدات التحكم في خطوط الإنتاج والأجهزة الذكية، متجاوزين الحواضن التقليدية للخوادم والحواسيب الشخصية التي تحظى بحماية فائقة.
وأشار إلى أن ذلك يجعل البيئة التشغيلية عرضة لمخاطر جسيمة إذا لم يتم تأمينها بالكامل.
وقال في ختام حديثه إن مواجهة هذه التحديات المتصاعدة تستوجب تبني منظومة أمنية متكاملة مدعومة بحلول الذكاء الاصطناعي AI-based Solutions، قادرة على التنبؤ بالتهديدات وصدها استباقيا، لضمان حماية البنية التحتية والمرافق الحيوية ضد أي خروقات محتملة، بما يضمن استدامة الأعمال وكفاءة التشغيل.
جاهزية البيانات شرط أساسي لنجاح التحول الذكي
وأكد المهندس علي حسيب، المدير الإقليمي لشركة إيفربيور لمصر وليبيا، أن المؤسسات التي لن تشهد تحولا ذكيا خلال السنوات القادمة مهددة بفقدان مكانتها والاختفاء تماما من السوق.
وأوضح أن التخطيط لهذا التحول يتطلب استراتيجيات واضحة ومبكرة، لافتا إلى أن الخطأ الشائع يكمن في التركيز كليا على البنية التحتية ووحدات المعالجة الصلبة مثل العتاد Hardware، مع إغفال التحدي الأهم، وهو مدى جاهزية بيانات المؤسسة لدخول البنية التحتية للذكاء الاصطناعي واستخراج نتائج موثوقة.
وأضاف أن الخطوة الأولى والأساسية لأي مؤسسة هي اكتشاف البيانات وتحديد أماكن وجودها الموزعة عبر الأنظمة المختلفة، تليها عمليات توحيدها وتصفيتها لتصبح بيانات نظيفة وجاهزة للاستثمار.
وأشار إلى أن نماذج اللغات الكبيرة LLMs متوفرة وجاهزة بالفعل، وأن القيمة الحقيقية تكمن في تغذية هذه النماذج بالبيانات المعززة والخاصة بالمؤسسة، لضمان تحقيق أفضل النتائج المرجوة من مشروعات الذكاء الاصطناعي.
التحول من بيع الأجهزة إلى الشراكة ذات القيمة المضافة
وأكدت المهندسة سالي أنسي فهيم، الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا بشركة سيليكون 21، أن الشركة تسعى بخطى حثيثة لقيادة المنظومة التكنولوجية عبر ربط صانعي التكنولوجيا بالمستخدمين النهائيين.
وأوضحت أن التحدي الأكبر يكمن في تحويل الموزعين التقليديين إلى شركاء يقدمون قيمة مضافة حقيقية، بدلا من الاقتصار على بيع الأجهزة.
وأضافت أن نجاح تطبيقات الذكاء الاصطناعي يتطلب دراسة جدوى واضحة تدعم احتياجات المؤسسات وتعالج الفجوات الذكية لديها، مشيرة إلى أن دمج وحدات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات المصرية يشكل خطوة محورية نحو مستقبل رقمي متطور يعتمد على بنية تحتية صلبة وآمنة.
وأشارت إلى أن بناء المهارات وتطوير الكوادر البشرية من أبرز التحديات في السوق المصري، لافتة إلى أهمية التعاون مع الأكاديميات والجهات التعليمية لتأهيل جيل جديد متخصص في تقنيات الذكاء الاصطناعي يواكب متطلبات العصر الرقمي.
وأكدت أن الشركة تركز كذلك على كفاءة التشغيل وإدارة العمليات والتحسين المستمر، لتوسيع نطاق وحدات معالجة الرسومات والبنية التحتية بسلاسة مع الشركاء، مع فرض منظومات أمن سيبراني متكاملة لتغطية كل الثغرات المصاحبة لتوسع أنشطة المؤسسات.
استثمارات عالمية بقيمة 1.7 تريليون دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي
وأوضح المهندس محمد عبد الله، مدير المبيعات للبنية التحتية والذكاء الاصطناعي بشركة سيسكو الشرق الأوسط وأفريقيا، أن مفهوم مصانع الذكاء الاصطناعي لم يعد مقتصرا على مراكز البيانات التقليدية، بل امتد ليشمل الحوسبة السحابية والبيئات الطرفية.
وشدد على ضرورة بناء نسيج شبكي وأمني متكامل يضمن أعلى مستويات المرونة وقابلية الرصد Observability، لتوحيد أداء أحمال العمل التقليدية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي تحت مظلة تشغيلية واحدة تتجاوز تعقيدات الأنظمة المنفصلة.
وأضاف أن حجم الاستثمارات العالمية المرتقبة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يقدر بنحو 1.7 تريليون دولار خلال الفترة القادمة.
وأشار إلى أن سيسكو توفر حلولا شاملة وبنية تحتية متطورة تساعد المؤسسات على تعظيم الاستفادة من وحدات معالجة الرسومات GPUs، ورفع كفاءة البيانات الضخمة، وضمان أعلى مستويات الأمان والمرونة في بيئات العمل المترابطة.
Cairo ICT 2026 يستعرض أحدث تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا
والجدير بالذكر أن معرض ومؤتمر Cairo ICT يعد أحد أبرز الملتقيات التكنولوجية لصناعة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في المنطقة، وتعقد فعاليات دورته هذا العام تحت رعاية رئيس مجلس الوزراء، مع التركيز على دور التطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي في تطوير الخدمات ورفع كفاءة الأعمال ودعم الابتكار في مختلف القطاعات.
كما تتضمن الفعاليات المصاحبة الدورة الثالثة من معرض ومؤتمر الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والحوسبة السحابية AIDC²، والدورة الثالثة عشرة من معرض ومؤتمر المدفوعات الرقمية والشمول المالي PAFIX، الذي يقام تحت رعاية البنك المركزي المصري.
وتشمل الفعاليات أيضا كونكتا Connecta في دورتها السادسة للألعاب والأجهزة الذكية وتكنولوجيا الترفيه، كما تتيح ساحة الابتكار Innovation Arena للشركات الناشئة ورواد الأعمال عرض حلولهم ومنتجاتهم والتواصل مع المستثمرين وشركاء الأعمال والجهات الداعمة للابتكار.









































