الممرات البحرية العربية في قلب معادلة الأمن البحري العالمي…. قراءة استراتيجية في قرارات الدورة ( 138 ) للمنظمة البحرية الدولية وانعكاساتها على الدول العربية
بقلم: الدكتور مصطفى رشيد
الخبير الاقتصادى البحرى

شهد مقر المنظمة البحرية الدولية (IMO) في لندن، خلال الفترة من 2 إلى 6 نوفمبر 2026، انعقاد الدورة رقم (138) للمجلس التنفيذي للمنظمة، برئاسة فيكتور خيمينيز من إسبانيا، وبمشاركة أماني فتح الله من المغرب بصفتها نائبة رئيس المجلس، وبحضور الأمين العام للمنظمة أرسينيو دومينغيز، وممثلي الدول الأعضاء والجهات المراقبة.
وقد جاء انعقاد الدورة في مرحلة بالغة الحساسية لصناعة النقل البحري الدولي وفي ظل خمسة تحديات مترابطة ، وهى :
1- استمرار التوترات الجيوسياسية وتأثيرها على حرية الملاحة.
2- تعرض السفن التجارية والبحارة لمخاطر أمنية في عدد من الممرات البحرية.
3- تصاعد أهمية أمن سلاسل الإمداد واستمرارية التجارة الدولية.
4- الحاجة إلى تطوير نظم المعلومات البحرية وتبادل البيانات.
5- ضرورة تعزيز كفاءة الحوكمة الدولية وبناء القدرات البشرية والمؤسسية.
ولذلك اتسمت أعمال الدورة بطابع مزدوج: التعامل مع المخاطر البحرية العاجلة، وفي الوقت نفسه تطوير الأدوات المؤسسية والتكنولوجية التي تضمن قدرة المنظمة على الاستجابة للتحديات المستقبلية.
وتكتسب هذه الدورة أهمية خاصة لأنها لم تقتصر على مناقشة القضايا الأمنية الطارئة، وإنما تناولت كذلك إصلاحات مؤسسية وتنظيمية، وتطوير البنية الرقمية للمنظمة، وتعزيز منظومة التعليم الإلكتروني والتعاون الفني، وتحديث القواعد الإجرائية، واستكمال إصلاح نظام العدالة الداخلية، فضلاً عن ملفات القيادة والاستقرار المالي والتمثيل داخل المنظمة.
ويقدم هذا التقرير قراءة تفصيلية لكل بند ، ثم تحليل انعكاساتها على الدول العربية، وبصفة خاصة جمهورية مصر العربية والدول المطلة على البحر الأحمر والخليج العربي والبحر المتوسط.

المحور الاول : تحليل لمحاور جدول الأعمال ونتائج وتوصيات الدورة ( 138 ) للمجلس التنفيذى للمنظمة البحرية الدولية
ناقش جدول اعمال المجلس عددا من البنود الهامة ذات الصلة بتطورات النقل البحرى العالمى ، وفيما يلى عرض لاهم هذه البنود ووفقا لاهميتها ، وذلك على النحو التالى :
بند رئيسى : حماية الممرات البحرية الدولية الحيوية وحرية الملاحة ( محور اعمال الدورة )
كان هذا البند من أكثر الموضوعات أهمية في الدورة 138، نظراً لارتباطه المباشر بأمن التجارة الدولية وسلامة السفن والبحارة واستقرار سلاسل الإمداد العالمية.
وقد ركزت المناقشات على تطورات الأوضاع في:
1- مضيق هرمز والخليج العربي.
2- البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
3- البحر الأسود وبحر آزوف.
4- المحيط الهندي الغربي وخليج عدن.
5- منطقة شرق البحر المتوسط.
وتنبع أهمية هذه المناطق من كونها ممرات استراتيجية تربط مراكز الإنتاج والاستهلاك العالمية، وتؤثر مباشرة على تدفقات الطاقة والسلع والمواد الخام.

اولا : مضيق هرمز والخليج العربي
قدم الأمين العام إحاطة حول المخاطر المتصاعدة التي يتعرض لها النقل البحري في المنطقة، وأشار إلى أن المنظمة تحققت من وقوع ما لا يقل عن 130 هجوماً على سفن تجارية منذ بداية النزاع في الشرق الأوسط.
كما أعلن أن عدد وفيات البحارة المؤكدة المرتبطة بالنزاع وصل إلى 25 حالة، عقب وفاة بحار فلبيني في 5 نوفمبر 2026، إثر الهجوم على ناقلة النفط M/T VELOS SAPPHIRE.
وأشارت الإحاطة إلى وجود آلاف البحارة المعرضين للخطر، بمن فيهم العاملون على سفن لم تتمكن من مغادرة الخليج العربي.

التوصيات الصادرة عن الاجتماع :
1- دعوة الدول الأعضاء إلى الامتناع عن اتخاذ تدابير غير مشروعة تعرض سلامة البحارة والملاحة الدولية للخطر.
2- تأكيد ضرورة حماية البحارة بصرف النظر عن جنسيتهم.
3- استمرار الأمين العام في التواصل مع الأطراف المعنية والمنظمات الدولية.
4- متابعة التطورات الأمنية والإنسانية.
5- دراسة تدابير عملية إضافية للحد من الخسائر البشرية والتخفيف من الآثار الإنسانية للنزاع.
6- تقديم تقرير متابعة إلى الدورة القادمة للمجلس التنفيذى للمنظمة
وتجدر الإشارة إلى أن المجلس التنفيذى لم يعلن في بيانه الختامي عن إنشاء آلية عسكرية جديدة لحماية المضيق، وإنما ركز على المواقف الدولية والتنسيق والمتابعة والتدابير التي تقع ضمن اختصاص المنظمة.
ثانيا : البحر الأحمر ومضيق باب المندب
أكد المجلس التنفيذى إدانته الشديدة للهجمات التي نفذتها جماعة الحوثيين ضد السفن التجارية وأطقمها في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وطالب بوقف هذه الهجمات.
وتعكس هذه الإدانة استمرار القلق الدولي من المخاطر التي تواجه السفن التجارية في أحد أهم الممرات البحرية التي تربط آسيا وأوروبا عبر قناة السويس.
وتتجاوز التداعيات الأمنية نطاق السفن المستهدفة، لتشمل:
1- ارتفاع تكاليف التأمين البحري.
2- زيادة مخاطر الشحن والنقل.
3- اضطرار بعض السفن إلى تغيير مساراتها.
4- زيادة زمن الرحلات وتكاليف الوقود.
5- اضطراب جداول الإمداد والتوريد.
6- انعكاسات مباشرة على تنافسية الموانئ والخدمات اللوجستية.

الأهمية الخاصة لجمهورية مصر العربية :
تمثل هذه النتائج أهمية مباشرة لمصر، بالنظر إلى الارتباط الاستراتيجي بين أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب واستقرار حركة الملاحة في قناة السويس.
فكلما زادت المخاطر الأمنية في جنوب البحر الأحمر، زادت احتمالات تحويل مسارات السفن حول رأس الرجاء الصالح، بما يترتب على ذلك من زيادة زمن الرحلات وتكاليف النقل، وتأثيرات على حركة العبور والإيرادات والخدمات المرتبطة بقناة السويس.
ثالثا : البحر الأسود وبحر آزوف
أدان المجلس التنفيذى الهجمات التي استهدفت السفن التجارية والبحارة والبنية التحتية للموانئ وأصول البحث والإنقاذ وخدمات السلامة البحرية المرتبطة بتشغيل الممر البحري الأوكراني الخاص.
كما جدد تأكيد التزامه بأمن وحرية الملاحة في البحر الأسود.
ويعكس هذا الموقف أن حماية الممرات البحرية التجارية أصبحت قضية ذات أبعاد دولية تتجاوز الاعتبارات الإقليمية، وأن استهداف البنية التحتية البحرية أو خدمات الإنقاذ والسلامة يمكن أن يهدد استمرارية التجارة الدولية حتى عندما لا تكون السفن نفسها هدفاً مباشراً.
الانعكاسات على الدول العربية:
تتأثر الدول العربية بتطورات البحر الأسود من خلال تجارة الحبوب والمنتجات الزراعية والأسمدة والطاقة، فضلاً عن ارتباط عدد من الأسواق العربية بمصادر توريد تقع في منطقة البحر الأسود.
ومن ثم، فإن حماية هذا الممر ترتبط بصورة مباشرة بأمن الغذاء العربي واستقرار تكاليف الاستيراد وسلاسل الإمداد.
رابعا : القرصنة والسطو المسلح في المحيط الهندي الغربي وخليج عدن
أشار المجلس التنفيذى إلى تزايد حوادث القرصنة والسطو المسلح في منطقة المحيط الهندي الغربي وخليج عدن، حيث تم رصد 17 واقعة لمحاولات أو هجمات فعلية منذ بداية عام 2026.
وربط المجلس التنفيذى الجهود الجارية لمواجهة هذه التهديدات بإطار مدونة جيبوتي لقواعد السلوك وتعديل جدة.
مدونة جيبوتي لقواعد السلوك تمثل إحدى الآليات الإقليمية المهمة للتعاون في تبادل المعلومات وبناء القدرات وتعزيز التنسيق البحري.
التوصية الرسمية الصادرة عن المجلس التنفيذى :
طلب المجلس التنفيذى من الأمين العام مواصلة متابعة تطورات الأمن البحري في المناطق المشار إليها وإبقاء الدول الأعضاء على اطلاع بها.
الانعكاسات العربية:
تتصل هذه التوصية مباشرة بمصالح الدول العربية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، وتتطلب تعزيز التعاون بين الإدارات البحرية وخفر السواحل والجهات الأمنية، وتطوير نظم تبادل المعلومات والاستجابة للحوادث.
التقييم الاستراتيجي لهذا البند الرئيسى :
يمكن اعتبار هذا البند الأكثر اتصالاً بالمصالح الاقتصادية والجيوسياسية للدول العربية، إذ يوضح أن أمن الملاحة لا يمكن التعامل معه بوصفه مسؤولية دولة منفردة، وإنما باعتباره مسؤولية دولية وإقليمية مشتركة.
وتتمثل الرسالة الاساسية فى ان امن الممرات البحرية ينعكس بصورة مباشرة على الامن الاقتصادى والغذائى والطاقى للدول ، وان استقرار التجارة الدولية يتطلب تعاونا يتجاوز حدود الاختصاصات الوطنية.
بند : تطوير منظومة المعلومات البحرية GISIS ومنصة التعليم الإلكتروني
أولا: خلفية البند
يُعد نظام المعلومات العالمي المتكامل للنقل البحري (GISIS) أحد أهم الأدوات الرقمية التي تستخدمها المنظمة البحرية في جمع وتنظيم وإتاحة المعلومات البحرية، وتسهيل وصول الدول الأعضاء إلى البيانات المتعلقة بالقطاع البحري.
وقد تناول المجلس التنفيذى مقترح الأمين العام للمنظمة المتعلق بتمويل استكمال المرحلة الثانية من تطوير النظام، إلى جانب تنفيذ خطة المنظمة لإنشاء وتطوير منصة للتعليم الإلكتروني.
ثانيا: القرار المالي
وافق المجلس التنفيذى على تخصيص مبلغ مبدئي قدره مليونا جنيه إسترليني من احتياطيات صندوق التعاون الفني.
ويشمل التمويل مسارين:
1- استكمال تطوير نظام GISIS.
2- تطوير وتنفيذ منصة التعليم الإلكتروني للمنظمة.
كما طلب المجلس التنفيذى من الأمين العام تقديم تقديرات تفصيلية للتكاليف الإضافية، والجداول الزمنية للتنفيذ، والنفقات التشغيلية المتكررة للمشروعين، إلى دورة مستقبلية للمجلس.
ثالثا: أهمية تطوير GISIS
يتجاوز تطوير النظام مجرد تحديث منصة معلومات إلكترونية، إذ يرتبط بتعزيز قدرة المنظمة البحرية على إدارة البيانات البحرية وتبادلها، وتسهيل وصول الدول الأعضاء إلى المعلومات اللازمة لتنفيذ الاتفاقيات الدولية.
ومن أهم مجالات الأثر المتوقع:
1- تحسين الوصول إلى المعلومات البحرية.
2- رفع كفاءة تبادل البيانات بين الدول الأعضاء.
3- تعزيز كفاءة نظم متابعة تنفيذ الاتفاقيات.
4- دعم القرارات المبنية على البيانات.
5- تحسين جودة المعلومات التي تستخدمها الإدارات البحرية الوطنية.
6- دعم تطوير الخدمات الرقمية للقطاع البحري.
رابعا: أهمية منصة التعليم الإلكتروني
تمثل منصة التعليم الإلكتروني مساراً مهماً لتوسيع نطاق التعاون الفني وبناء القدرات، من خلال إتاحة البرامج التدريبية والتعليمية عبر الوسائط الرقمية.
ومن المتوقع أن تسهم في:
1- توسيع نطاق الوصول إلى التدريب البحري.
2- دعم برامج التعليم المستمر.
3- تعزيز كفاءة إعداد المدربين.
4- تقليل بعض تكاليف التدريب التقليدي.
5- تيسير نقل المعرفة الفنية بين الدول.
6- تعزيز قدرات المؤسسات البحرية في الدول النامية.
ويجب التأكيد أن اعتماد التمويل المبدئي لا يعني أن المنصة أصبحت جاهزة للعمل أو أن جميع تفاصيل التنفيذ قد حُسمت؛ إذ أحال المجلس التقديرات الإضافية والجداول الزمنية إلى مرحلة لاحقة.
خامسا: الأهمية الخاصة للدول العربية وجمهورية مصر العربية
تكتسب هذه النتيجة أهمية استثنائية للدول العربية لثلاثة أسباب:
1- اللغة العربية إحدى اللغات الرسمية الست للمنظمة.
2- وجود احتياج متزايد إلى تدريب الكوادر البحرية العربية وفق المعايير الدولية.
3- تفاوت مستويات التحول الرقمي والقدرات الفنية بين الإدارات البحرية العربية.
ومن هنا، ينبغي أن تكون هناك مبادرة عربية للاستفادة من منصة التعليم الإلكتروني، وتطوير محتوى تدريبي باللغة العربية، مع ربطه بالمعايير الدولية المعتمدة.
بند : تجديد ولاية الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية
طبيعة البند :
ناقش المجلس ملف عقد الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية في جلسة مغلقة، وذلك في إطار اختصاصه بتقديم التوصية المتعلقة بتعيين الأمين العام إلى الجمعية العامة للمنظمة .
التوصية الرسمية :
قرر المجلس التوصية بتجديد ولاية السيد / أرسينيو دومينغيز لمدة أربع سنوات إضافية، تبدأ في 1 يناير 2028 وتنتهي في 31 ديسمبر 2031.
وقرر إحالة التوصية إلى الدورة العادية الخامسة والثلاثين للجمعية العامة للمنظمة، وفقاً للمادة 22 من اتفاقية المنظمة البحرية المحور الثالث: حماية الممرات البحرية الدولية الحيوية وحرية الملاحة .
وتتمثل أهمية هذا القرار في ضمان استمرارية القيادة التنفيذية للمنظمة خلال مرحلة تتطلب متابعة عدد من الملفات الاستراتيجية، ومنها:
1- حماية الممرات البحرية الدولية.
2- تطوير نظم المعلومات البحرية.
3- التحول الرقمي والتعليم الإلكتروني.
4- التعاون الفني وبناء القدرات.
5- متابعة الإصلاحات المؤسسية والتنظيمية.
الانعكاسات على الدول العربية
تتمثل الأولوية العربية في استثمار استمرارية القيادة التنفيذية للمنظمة لتعزيز الحوار مع الأمانة العامة للمنظمة ، وتوسيع فرص المشاركة العربية في البرامج الفنية، وطرح احتياجات الدول النامية، وتعزيز التعاون في مجال التدريب ونقل المعرفة.
ويجب التأكيد أن قرار المجلس كان توصية بالتجديد وليس اعتماداً نهائياً للولاية الجديدة؛ إذ يظل الاعتماد من اختصاص الجمعية العامة.
بند : تعديلات اتفاقية المنظمة البحرية الدولية لعام 2021
أولاً: خلفية التعديلات
اعتمدت الجمعية العامة للمنظمة في ديسمبر 2021 تعديلات على اتفاقية المنظمة البحرية الدولية، بموجب القرار A.1152(32)، بهدف تطوير هيكل الحوكمة وزيادة تمثيل الدول الأعضاء وتحديث الإطار اللغوي للاتفاقية.
وتتضمن التعديلات ثلاثة محاور رئيسية:
1- زيادة عدد أعضاء المجلس التنفيذي
رفع عدد أعضاء المجلس من 40 إلى 52 دولة، بما يوسع قاعدة المشاركة والتمثيل.
2- تمديد مدة عضوية المجلس
تعديل مدة العضوية بحيث تستمر الدول الأعضاء حتى نهاية الدورتين العاديتين المتتاليتين للجمعية العامة، وهو ما يعادل عادة أربع سنوات.
3- إضافة لغات رسمية إلى النصوص الأصيلة للاتفاقية
الاعتراف بالعربية والصينية والروسية باعتبارها نصوصاً أصيلة للاتفاقية، إلى جانب الإنجليزية والفرنسية والإسبانية.
ثانيا: ما أكدته الدورة ( 138 ) للمجلس التنفيذى للمنظمة البحرية – دورة نوفمبر 2026
جدد المجلس التنفيذى التزامه بدخول تعديلات عام 2021 حيز النفاذ، وحث الدول الأعضاء التي لم تستكمل إجراءات قبولها على القيام بذلك، بهدف دخول التعديلات حيز النفاذ خلال عام 2027.
ثالثا: الأهمية الاستراتيجية للدول العربية
يمثل هذا الملف أحد أهم الملفات المؤسسية للدول العربية داخل المنظمة، لأن الاعتراف باللغة العربية كنص أصيل للاتفاقية يحقق مكاسب تتجاوز مجرد الترجمة، ويعزز مكانة اللغة العربية في الإطار القانوني والمؤسسي للمنظمة.
كما أن توسيع المجلس إلى 52 دولة يفتح المجال أمام تطوير التمثيل الجغرافي والمشاركة المؤسسية، مع بقاء آلية الانتخاب والفئات المحددة في الاتفاقية هي المرجع الحاكم.
رابعا : الأثر المؤسسي طويل المدى
إن دخول التعديلات حيز النفاذ سيشكل تطوراً مهماً في بنية المنظمة، سواء من حيث زيادة عدد أعضاء المجلس أو إطالة مدد العضوية أو الاعتراف بالنص العربي الأصيل للاتفاقية.
ومن ثم، فإن هذا الملف يستحق اهتماماً عربياً خاصاً، لأنه يمس الحضور المؤسسي واللغوي والقانوني للدول العربية في أهم منظمة دولية متخصصة في النقل البحري.
بند : جائزة المنظمة البحرية الدولية للمساواة بين الجنسين لعام 2027
اولا : طبيعة البند
يأتي هذا البند في إطار اهتمام المنظمة بتعزيز مشاركة المرأة في القطاع البحري، ودعم وصولها إلى الوظائف الفنية والقيادية، وتكريم النماذج التي أسهمت في إزالة العوائق أمام مشاركتها المهنية.
ثانيا : التوصيات الرسمية
قرر المجلس منح جائزة المنظمة البحرية الدولية للمساواة بين الجنسين لعام 2027 للسيدة يو جياجيا (Yu Jiajia)، المرشحة من الصين.
كما أيد التوصية بمنح خطاب تقدير للسيدة جيما غريفين (Gemma Griffin)، المرشحة من الدنمارك.
ومن المقرر تقديم الجائزة يوم 18 مايو 2027، بالتزامن مع اليوم الدولي للمرأة في القطاع البحري، بمقر المنظمة في لندن.
ثالثا : الأهمية الاستراتيجية
يعكس القرار توجهاً دولياً لتعزيز التنوع المهني في صناعة النقل البحري، وتوسيع مشاركة المرأة في التعليم البحري والتدريب والملاحة والهندسة البحرية وإدارة الموانئ واللوجستيات.
المحور الثانى : الانعكاسات الاستراتيجية لمخرجات الدورة ( 138 ) للمجلس التنفيذى للمنظمة البحرية الدولية على الدول العربية
تمثل نتائج الدورة ( 138 ) للمجلس التنفيذى للمنظمة أهمية استثنائية للدول العربية، ليس فقط بسبب موقع المنطقة في جغرافية التجارة البحرية الدولية، وإنما أيضاً بسبب تعدد الممرات البحرية والموانئ الاستراتيجية التي تربط الاقتصادات العربية بالأسواق العالمية.
ويمكن تصنيف الانعكاسات إلى سبعة عناصر رئيسية ، وذلك على النحو التالى :
اولا : أمن البحر الأحمر وقناة السويس ومضيق باب المندب
يأتي هذا العنصر في مقدمة الأولويات العربية، نظراً للارتباط المباشر بين أمن البحر الأحمر واستقرار حركة الملاحة بقناة السويس.
وتؤكد نتائج الدورة أن المخاطر التي تواجه الملاحة في باب المندب لا تنحصر في نطاق جغرافي محدود، وإنما تمتد إلى منظومة التجارة البحرية بين آسيا وأوروبا.
الانعكاسات على جمهورية مصر العربية :
1- ضرورة تعزيز متابعة التطورات الأمنية في البحر الأحمر وباب المندب.
2- تطوير آليات الإنذار المبكر وتبادل المعلومات البحرية.
3- تعزيز التنسيق بين الجهات البحرية والموانئ وشركات الملاحة.
4- تطوير خطط إدارة الأزمات واستمرارية الخدمات اللوجستية.
5- دعم الجهود الدولية الرامية إلى ضمان حرية الملاحة وسلامة السفن التجارية.
6- تعزيز مرونة قناة السويس وموانئ البحر الأحمر في مواجهة تقلبات حركة التجارة.
ثانيا : أمن الخليج العربي ومضيق هرمز
تمثل نتائج المجلس التنفيذى بشأن مضيق هرمز أهمية مباشرة لدول مجلس التعاون الخليجي، وخاصة الدول التي تعتمد على الممر في صادرات الطاقة والتجارة البحرية.
وتتمثل أهم التداعيات في:
1- ضرورة تطوير خطط استمرارية التجارة البحرية.
2- تعزيز حماية البحارة والسفن التجارية.
3- رفع كفاءة إدارة المخاطر والتأمين البحري.
4- تنويع البدائل اللوجستية ومنافذ التصدير.
5- تطوير التعاون البحري الإقليمي والدولي.
6- تعزيز قدرة الموانئ على التعامل مع اضطرابات حركة السفن.
ثالثا : أمن الغذاء العربي وسلاسل الإمداد
ترتبط التطورات في البحر الأسود بمصالح الدول العربية المستوردة للحبوب والمنتجات الزراعية والأسمدة.
وتؤثر الاضطرابات البحرية في هذه المنطقة على تكاليف الشحن ، وأسعار التأمين ، وانتظام وصول السلع، وتوافر السفن ووسائل النقل ، واستقرار سلاسل الإمداد الغذائية.
رابعا : تطوير الموانئ العربية والتحول الرقمي
إن موافقة المجلس التنفيذى على تطوير GISIS ومنصة التعليم الإلكتروني تعكس أهمية التحول الرقمي في مستقبل الإدارة البحرية.
وينبغي للدول العربية أن تنظر إلى هذا التطور باعتباره فرصة لتحديث:
1- أنظمة إدارة الموانئ.
2- نظم تبادل البيانات البحرية.
3- الخدمات الرقمية للسفن.
4- نظم متابعة الامتثال للاتفاقيات الدولية.
5- أنظمة الإنذار المبكر وإدارة المخاطر.
خامسا : تعزيز القدرات البشرية والتعليم والتدريب البحري
تؤكد مبادرة التعليم الإلكتروني أهمية الانتقال من التدريب التقليدي إلى منظومة تعليم مستمر تعتمد على المحتوى الرقمي والتدريب التفاعلي وإعداد المدربين.
وتبرز أهمية هذا التوجه في الدول العربية التي تسعى إلى تطوير قدراتها في السلامة البحرية ، الأمن البحري ، إدارة الموانئ ، الهندسة البحرية ، إدارة المخاطر ، اللوجستيات وسلاسل الإمداد ، ونظم المعلومات والذكاء الاصطناعي.
سادسا : تعزيز الحضور العربي في الحوكمة البحرية الدولية
تكتسب تعديلات اتفاقية المنظمة لعام 2021 أهمية كبيرة للدول العربية، وبصفة خاصة الاعتراف باللغة العربية باعتبارها أحد النصوص الأصيلة للاتفاقية.
ويستدعي ذلك:
1- توحيد الجهود العربية لاستكمال إجراءات قبول التعديلات.
2- تعزيز التنسيق في الترشيحات والمشاركة الدولية.
3- تطوير الكوادر القانونية والفنية المتخصصة.
4- زيادة مشاركة الخبراء العرب في اللجان الفنية.
5- إعداد أوراق عمل ومقترحات عربية مشتركة.
سابعا : تمكين المرأة العربية في القطاع البحري
تقدم جائزة المساواة بين الجنسين لعام 2027 فرصة لتعزيز المشاركة النسائية العربية في مجالات الملاحة والهندسة البحرية وإدارة الموانئ والتدريب والبحث العلمي.
الخاتمة :
إن الدورة رقم (138) للمجلس التنفيذي للمنظمة البحرية الدولية، التي انعقدت في لندن خلال الفترة من 2 إلى 6 نوفمبر 2026، تمثل محطة مهمة في مسار تطور الحوكمة البحرية الدولية، لأنها جمعت بين التعامل مع المخاطر الأمنية والإنسانية العاجلة، وبين تطوير الأدوات المؤسسية والتكنولوجية اللازمة لمستقبل النقل البحري.
وقد أظهرت النتائج أن المنظمة تتعامل مع مرحلة تتطلب تحقيق التوازن بين ثلاثة أهداف رئيسية:
اولا : حماية الإنسان والملاحة
من خلال ضمان سلامة البحارة والسفن التجارية والممرات البحرية الدولية.
ثانيا : تحديث الحوكمة البحرية
من خلال تطوير القواعد التنظيمية واللوائح المؤسسية والاستقرار الإداري والمالي.
ثالثا : بناء المستقبل البحري الرقمي
من خلال الاستثمار في نظم المعلومات والتعليم الإلكتروني والتعاون الفني وتنمية القدرات.
وبالنسبة للدول العربية، فإن نتائج الدورة تحمل رسالة استراتيجية واضحة، تتمثل في ضرورة التعامل مع أمن الممرات البحرية باعتباره جزءاً من منظومة الأمن الاقتصادي والغذائي والطاقي، والعمل على تطوير القدرات المؤسسية والتكنولوجية التي تسمح بالمشاركة المؤثرة في صياغة مستقبل الصناعة البحرية الدولية.
كما أن الاعتراف باللغة العربية ضمن النصوص الأصيلة لاتفاقية المنظمة، والتوسع المرتقب في عضوية المجلس، يفتحان آفاقاً مهمة لتعزيز الحضور العربي في منظومة الحوكمة البحرية الدولية، شريطة استكمال الإجراءات الوطنية اللازمة وتنسيق المواقف بين الدول العربية.
إن التحدي الحقيقي أمام الدول العربية لم يعد مقتصراً على حماية موانئها وأساطيلها وممراتها البحرية، وإنما أصبح يتمثل في امتلاك المعرفة والتكنولوجيا والبيانات والقدرات البشرية التي تمكنها من المشاركة في صياغة قواعد الاقتصاد البحري العالمي.
ومن ثم، فإن الدورة 138 للمجلس التنفيذى للمنظمة لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها اجتماعاً دورياً انتهت أعماله في لندن، بل باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب أولويات العمل البحري العربي، والانتقال من متابعة القرارات الدولية إلى المشاركة في صياغتها وتنفيذها.









































