تواجه الصادرات المصرية الموجهة إلى الأسواق الأوروبية اختبارا جديدا مع اقتراب التطبيق الكامل لآلية تعديل حدود الكربون الأوروبية، التي تربط تكلفة دخول عدد من السلع إلى الاتحاد الأوروبي بحجم الانبعاثات الناتجة عن تصنيعها، وهو ما دفع القاهرة إلى التحرك للتفاوض بشأن ترتيبات انتقالية تمنح الشركات المحلية وقتا إضافيا للتكيف مع القواعد الجديدة.
وتسعى الحكومة المصرية، بحسب ما نقلته تقارير صحفية عن مسؤولين حكوميين، إلى التوصل مع بروكسل إلى جدول زمني مرحلي يراعي الإجراءات البيئية التي تعمل عليها مصر، بما يساعد المنتجات المحلية على الحفاظ على قدرتها التنافسية داخل السوق الأوروبية، بدلا من مواجهة الأعباء الجديدة بصورة مفاجئة.
وتكتسب هذه المفاوضات أهمية خاصة بالنسبة للصناعات كثيفة استهلاك الطاقة، وفي مقدمتها الحديد والصلب والأسمنت والألومنيوم والأسمدة، وهي قطاعات ترتبط صادراتها بدرجة كبيرة بتكاليف الإنتاج والطاقة، وقد تتأثر مباشرة بأي رسوم إضافية مرتبطة بالبصمة الكربونية.
الصناعات الثقيلة في مقدمة القطاعات المعرضة للتكلفة
وتشير تقديرات دراسات لوزارة البيئة، نقلتها تقارير اقتصادية، إلى أن عدم التكيف مع الآلية الأوروبية قد يرفع الأعباء الكربونية على المصنعين المصريين بنحو 317 مليون دولار سنويا، مع استحواذ قطاع الحديد والصلب على النصيب الأكبر من التكلفة المقدرة بنحو 236 مليون دولار، بما يعادل قرابة 74% من الإجمالي، يليه الألومنيوم بنحو 43 مليون دولار.
ولا تتوقف المخاطر عند الرسوم المحتملة، إذ قد تؤثر تكلفة الانبعاثات على أسعار المنتجات المصرية وقدرتها على المنافسة أمام موردين من دول أخرى، خاصة إذا لم تتمكن المصانع من تقديم بيانات موثقة عن الانبعاثات الناتجة عن عمليات الإنتاج.
قياس الانبعاثات شرط أساسي للحفاظ على الأسواق
وتتجاوز متطلبات الآلية الأوروبية مجرد حساب قيمة مالية إضافية، إذ تحتاج الشركات إلى أنظمة دقيقة لقياس الانبعاثات على مستوى المنشآت وخطوط الإنتاج، مع وجود آليات تحقق معترف بها، حتى يمكن احتساب أي سعر للكربون تم دفعه داخل بلد المنشأ عند تحديد الالتزامات المستحقة في السوق الأوروبية.
وتدرس الحكومة، وفقا للمعلومات المنشورة، أكثر من مسار للتعامل مع الملف، من بينها الاستفادة من تجارب دول آسيوية وأمريكية لاتينية، إلى جانب بحث إمكانية تطوير نظام محلي لتسعير الكربون، إلا أن هذا الخيار يتطلب بنية مؤسسية وفنية قادرة على قياس الانبعاثات والتحقق منها.
وتشير التقديرات المنقولة عن البنك الدولي إلى أن عدم الاستعداد للآلية قد يضغط على الدخل الحقيقي لمصر بنحو 0.6%، مع احتمالات تراجع بعض الصادرات كثيفة الكربون بنسبة تصل إلى 8.3%، وهو ما يوضح أن الملف يرتبط بالتجارة والاستثمار والنمو، وليس فقط بالالتزامات البيئية.
تأثير محتمل يمتد من التصدير إلى السوق المحلية
وتكمن إحدى النقاط المهمة في أن تكلفة التكيف مع القواعد الجديدة قد لا تظل محصورة في الصادرات، إذ يمكن أن تنعكس بعض الأعباء على أسعار المنتجات داخل السوق المحلية، إذا تحملت الشركات جزءا من تكاليف خفض الانبعاثات أو تطبيق نظم القياس والتحقق.
وفي هذا السياق، تتابع منصة سوق المال تطورات المفاوضات المصرية الأوروبية، باعتبارها ملفا مؤثرا في مستقبل تنافسية قطاعات صناعية رئيسية، وقدرة الشركات على الحفاظ على حصتها في الأسواق الخارجية.
ولم تعلن الحكومة حتى الآن موعدا نهائيا لاتخاذ قرار بشأن آلية التعامل المحلية، كما لم يصدر إعلان رسمي عن منح مصر إعفاء نهائيا من الالتزامات الأوروبية، ما يجعل الفترة المقبلة مهمة للمصانع المصدرة للاستعداد الفني ومراجعة بيانات الطاقة والانبعاثات.










































